الأحد، 28 نوفمبر 2021

كتاب : الآمل والمأمول--الجاحظ


كتاب : الآمل والمأمول--الجاحظ 
 
المقدمة قال الباحث: من تركيب الإنسان استفراغ الحرص مدى لبه، واستيلاء الأماني على خواطره، فمقصر في الارتياد، حائد عن مذهب الصواب، عاجز في مذهبه، ظافر بأقصى مناه. ومجد في الدؤوب، متحرٍ قصد الحجة، مستأهل فوق تأميله الذي في طلبته، مع أنه وإن كان موضع الرتع درك المنى، فتحري الصواب أولى بذي النهى، والمجد في التماس ما هو به، أعذر من التجافي عما إن فاته قعد به عن مرتبة أهل الفضل ودرجة ذوي المروءة.
والكاتب وإن لم يكن في عمل يتقلده ومع صاحب يكتب له فغير خالٍ من حاجة تبدو له عند صديقه، وطلبةٍ تكون له عند خليطه، ولا بد أيضاً من أن يكون في بعض الأحوال مسؤولاً وفي بعضها معتذراً. فإن هو لم يأنف بتسبيب المسألة والإفصاح عن البغية والمطالبة بالعدة والاعتذار عند المنع، والحث على الجهد، والنهي عن الإلحاف، ولم يدر كيف يستبطئ الموعود ويعذر المجتهد، ويذم المستذم، كان غير مميز من العامة ولا مستحق اسمٍ الكتابة. فتكلفت ما على الآمل والمأمول، وما في الآمل من الذلة والحيرة، ليقتدي الكاتب في ذلك بما في الأبواب من المعاني، فيكون كالساري بدليل والحادي على مثال. وبالله أعتصم واسترشد.
على الآمل بل على الناس أجمعين صون الوجه عن المسألة ورجاء الله عز وجل واليأس من الناس، فإن اضطر إلى ذلك فالإجمال في الطلب والتلطف للمأمول بعد الوسيلة بدعاء يبعثه على الإسعاف، فإن تأخرت الحاجة فالتؤدة والرفق وتجنب العجلة والخرق، ثم الحث في الطلب والمخاطرة وترك التسويف والتواني، ثم حسن الاقتضاء، ثم استبطاء المواعيد، ثم الإلحاح والوعيد. وليس بعدهما إلا الشكر إن أسعف، ونشر صنيعته إن أولى، والحمد والمدح إن أنعم. وعليه أن لا يلوم مع العذر ويحتاج إلى ذم المستذم، ومن منع مع قدرةٍ فعليه التلطف في هذه المعاني، وليس عليه أن يساعده القدر. وعلى المأموا أن لا يماطل بعد الرغبة في اصطناع المعروف، ولقاء الآمل بالبشر، وترك التجهم، والإعطاء قبل المسألة، والمبادرة إلى قضاء الحاجة قبل فوت القدرة، وشكر السائل على إنبساطه، وإيضاح العذر إن تعذرت الحاجة، والتلطف في الاحتجاج بالمدافعة، وترك الوعد حتى يجد إنجازاً، واليأس قبل المطل، ومنع غير المستحق. وعليه أن لا يفسد الصنيعة بالمن إلا أن أكفرها وليها، وفي الآمل ذلة وحيرة.
وقد فصلت هذه الجمل بأبواب من وعاها واستنهج في مكاتبته سبيلها كان كالساري بدليل، والحادي على مثال. والله المعين على السداد والموفق للرشاد والمعوذ به من الانحراف، عن قصد وسنن الصدق والحرمان. 
 الابواب
 
باب ما جاء في القناعة كان يقال أروح الروح القناعة، وهي أقصى رتبة الفقير كما أن أقصى رتبة الغني الشكر. وقال الحسن بن سهل: ما رأيت رجلاً قط مقصراً في مطالبة الظفر بالفضل إلا وسعت عليه العذر وإن كان عظيم التفريط، إذا كانت الأنفس مطبوعةً على حب السعي في حواية الفضل. وذلك دليل على أن اقتصار هذا على ما قل منه دون ما كثر لما وقف عليه من القسم وميلاً إلى راحة القناعة. أنشدني بعضهم للعطوي:
الحر يد نس بين الحرص والطلب ... فاخلع لباسهم بالعلم والأدب
أقبح بوجه يسارٍ كان قائده ... وجهاً رعت كنفيه ذلة الطلب
ما كان قائده ذلا وسائقه ... منا فأكرم منه لوعة السغب
قرأت في كتاب كليلة ودمنة: إن من صفة الناسك السكينة لغلبة التواضع وإتيان القناعة ورفض الشهوات ليتخلى من الأحزان وترك إخافة الناس لئلا يخافهم. وفيه إن الرجل ذا المروءة يكرم من غير مالٍ كالأسد الذي يخاف وإن كان رابضاً. والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كثر ماله كالكلب وإن كان جوالاً. وأنشدت لمحمد بن حازم الباهلي.
ما كان مال يفوت دون غدٍ ... فليس بي حاجة إلى أحد
إن غنى النفس رأس كل غنى ... فما افتقار إلا إلى الصمد
رب عديمٍ أعز من أسدٍ ... ورب مثرٍ أقل من نقد
الناس صنفان في زمانك ذا، ... لو تبتغي غير ذين لم تجد
هذا بخيل وعنده سعة ... وذا جواد بغير ذات يد

وقال علي بن عبيدة: القناعة نعمة جسيمة، ورزق واسع، وحصن حصين، وألفة دائمة، وراحة عظيمة، وعيش صاف، ودعة للبدن، وعزة للنفس، وصيانة للعرض، وحياة طيبة، وسلامة وعافية فان وفق صاحبها للصواب في التمييز، واختيار ما يستحق به الاصطفاء صفا من الشكوك وعصمة الله (والله لا يحب كل مختال فخور). وأنشدت:
قل للزمان أصب من شئت بالعدم ... وللمنية من أحببت فاصطلم
فحسبي الله رباً قد رضيت به ... البر بالعود والعواد بالنعم
أعد خمسين حولاً ما علي يد ... لأجنبي ولا فضل لذي رحم
الحمد لله شكراً قد غنيت فلا ... أشكو لئيماً ولا أطري أخاكرم
يا نفسلا تعلقي بالأمل في إنصاف من صبحت من المترفين فإنهم في نخوة التجبر وعقوق التكبر والاستخفاف بمن لجأ إليهم.
ولا تغتري بالحرمة بهم والتقدم بالاستطالة، وإيثار عاجل اللذة على الحقوق الواجبة، وإغفال محمود العاقبة وترك الأناة عند الغضب والعجلة بالعقوبة، فتنكبي أفنيتهم المعيبة وآمالهم الكاذبة، ولا تكوني تواقة إلى ما لا يجدي عليك، ومعرضةً عما فيه الحط لك. وارضي بقليل الحظ من الدنيا، وتبلغي بما أمكن منها، وخذي عفو ما كان مخبأ لك، ولا تستصغري ما أنت فيه من الكفاف مع الحروج وما أتيت من الاثم الفاحش. للعرزمي:
رضيت ببلغة وحططت رحلي ... وإني للمطالب مستطيع
وأدركت الغنى وملكت أمري ... إذا اشتملت على اليأس الضلوع
وأحسن بالفتى من لؤم عارٍ ... ينال به الغني كرم وجوع
وسوى اليأس بين الناس عندي ... فلن يشقى بي الرجل الوضيع
وقالوا: قد دهيت.فقلت: كلا ... ولكني أعز بي القنوع
فمن أبدي لنا بشراً جزينا ... ومن ولى فما فقد الربيع
علي بن عبيدة: يا نفس لا تسلكي سبل الاستكثار من المال فإن جمعه حسرة ووبال، واعتزي بالقناعة فإنها أشرف قدراً وأرفع ذكرا وخطراً، وأقرب إلى منزلة السعداء وأكسب للشكر وأزلف عند الخالق من الاستكثار من الفتنة الذميمة واحتمال أوزار المكاسب ولهب الحرمان وثبات حجة المقت ولزوم سمت البخل.
قال الشاعر:
لطي ثلاث واصطبار على أذى ... من الدهر خير من نوال لئيم
وأحسن عندي من تعرض ذي غنى ... تجمل مجهودٍ وصبر كريم
وألزمت نفسي اليأس حتى كأنني ... عدو لمن أثرى صديق عديم
وإن من استغنى وإن كان معسراً ... على ثقة بالله غير ملوم
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
جر ما بدا لك أيها الدهر ... لك أن تجور وعندي الصبر
لا زلت أستعفيك من خطل ... حتى يردك من له الأمر
لعلي بن عبيدة الريحاني: لقد سلك الأكياس سبيل الحظ في العاجل، وعظمت مراتب أقدارهم عند الناس، ورغبوا بأرض الدعة وعمروا أفنية السلامة، وأصابوا من الدنيا بلغة وكفاية قنعوا بها، وصرفوا ما لهم بما لا احتكام للافات عليه، ولا تنظر عيون الدول في الزوال إليه من رضوانه ونعيم جنانه.
أنشدني أحمد بن عبد الله:
لا تقنعن ومذهب لك ممكن ... فاذا تضايقت المطامع فاقنع
ومن المروءة قانع ذوهمة ... يسمو لها فاذا نبت لم يهلع
ما كنت إمعةً ولكن همة ... تأبى الهوان وفسحة في المنجع
وهذا ضد المعاني المتقدمة، لأنه أمر بالطلب فإذا أعيت الحيلة فبالقناعة. وهذه قناعة اضطرار لا قناعة اختيار.
وسئل ابن حازم: ما مالك؟ فقال:
للناس مال ولي مالان مالهما ... إذا تحادس أهل المال حراس
مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه ... ومالي اليأس مما يملك الناس
وقال أيضاً: الثقة بالناس من اليأس.
وقال خالد بن صفوان: نظرت في أمري فوجدت الذي منعنيه القدر لا سائق له، ووجدت الذي أعطانيه لا حابس له، فعلام أعني نفسي.
قال بزر جمهر: إذا كان قاسم رزقي هو الله وما قد قسمه فليس يغيره أحد فلم أتحمل منة الخلائق؟ وللحسين بن علي رضى الله عنهما:
فان تكن الدنيا تعد نفيسة ... فدار ثواب الله أعلا وأنبل

ولأبي خراش الهذلي في القناعة والإيثار على النفس:
أرد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح تعففا ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
لعنترة بن شداد في الصبر مع القناعة:
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
عبيد الله: القناعة عز صاحبها، وميسرة فقره، ومسلاة عدوه، وتبجيل له في أعين العقلاء، وتجمل في الخاصة والعامة، وذهاب بالنفس عن مسألة البخيل، والتعريض لمعروف من جعل فقره في قلبه وغناءه في كسبه، وصيانة العرض، وإحياء السنة، والرضا باليسير، والتقليل للكثير، والرغبة عما في أيدي الناس. فان الناس أتباع بالحق ونظارون بعين الدنيا موكلون باجتناب المؤمن إذا اختل وتعظيم المنافق إذا استغنى إلا قليلاً منهم في جملتهم كالشامة في مسك البعير والقلامة في النهر الغزير، ففي الاعتزال عنهم سلامة وفي الاختلاط بهم الضر، والبلاء الذي ليس بمنقض إلا ما دفع الله.
ولذلك أقول:
رضيت للعز بالقنوع ... فلست أنقاد للمنوع
لبائع حظه هلوع ... لازم دنياه ذي خضوع
كان الخليل بن أحمدقنعا ضففا، فكتب إليه سليمان بن المهلب وقد ولي السند يستزيره ليوليه أموره. فكتب إليه:
أبلغ سليمان أني عنه في دعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
شح بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلا ولا يبقى على حال
والرزق عن قدر لا العجز منقصه ... ولا يزيدن فيه حول محتال
وكان يقال: احتج إلى من شئت فأنت دونه، واستغن عن من شئت فأنت مثله، وافضل على من شئت فإنك فوقه.
ولأبي دلف.
ليس الغنى في المال بل ... نفس الكريم هي الغنية
باب ما جاء في المقادير إلتجأ اختلاف المخلوقين في المتضادات إلى أصلين. يتفرع منهما فصول شتى. فأحد الصلين ما يجب في حجة العقل الانقياد له والتسليم لما جاء عن الله عز وجل فيه فإنه يقول: (ما يفتح الله للناس من رحمةٍ فلا ممسك لها). وقال عز وجل: ( وما تشاؤن إلا أن يشاء الله). وقال: ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات). مع أيٍ كثيرةٍ تقوم الحجة عند المصغي إلى الحس المنقاد إلى البرهان. ولم يمنعنا من ذكرها إلا إحاطة علم أكثر الناظرين في هذا الكتاب بها.
سئل بعض الحكماء: ما الذي يحمل الموقن بالقضاء والقدر على الدووب والسعي؟ قال: يحمله عليهما القضاء والقدر.
وقيل: استعمال الجد من دلالة التوفيق.
قرأت في كتاب كليلة ودمنة: إن السبب المانع رزق العاقل هو الذي يسوق رزق الجاهل. قال الشاعر:
الجد أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجد في الحوادث أو ذر
ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم يقدر
فاذا تعسرت الأمور فارجها ... وعليك بالأمر الذي لم يعسر
قال بزرجمهر: العاقل لا يجزع من جفاء السلطان وتقديمه الجاهل دونه لمعرفته بأن الأقسام لم توضع على قدر الأخطار وعلى سبيل الاستحقاق.
ولمنصور بن باذان:
يا ذا الذي ذمٍ دهره ... من أجل أن حط قدره
لا تأسفن لشيء ... ففي المغيرة عبره
لو نيل رزق بعقل ... لم يعطه الله بعره
فأخذ بعض المحدثين هذا فقال:
قد كنت للآعتزال منتحلاً ... أزعم أن الحظوظ بالسبب
فالآن قد صرت لا أقول به ... ولست أوصي بالعلم والطلب
فالعلم كالجهل والمطالب ... للرزق كوانٍ والجد كاللعب
وروي عن جعفر بن محمد أنه قال: إن الله وكل الحرمان بالعقل، والرزق بالجهل ليعلم العاقل أنه ليس إليه من الأمر شيء.
وقيل: لا يزال الله يرزق الجهال حتى يعتبر بهم العقلاء.
وكان يقال: غباوة تنفع خير من عقل يضر.
وقيل: الحظ يغلب العقل.
وأنشد الشاعر:
إذا كان الزمان زمان حمقٍ ... فان العقل حرمان وشوم
فكن حمقاً مع الحمقى فإني ... أرى الدنيا بحظهم تدوم
آخر:
لا تأتين الأمر من وجهه ... فانه يعسر من كل باب

وشاور النوكى ولا تعصهم ... تلاق ما تهوى بعين الصواب
وجالس الأنذال تسعد بهم ... فان هذا الدهر دهر الكلاب
الواسطي:
سبحان من أنزل الأيام منزلها ... وصير الناس مرفوضاً ومرموقا
فعاقل فطن أعيت مذاهبه ... وجاهل كان في الأقوامخ مرزوقا
هذا الذي جعل الألباب حائرة ... وصير العاقل النحرير زنديقا
آخر:
خاب امرؤ راح يرجو أن ينال غنى ... بالعقل ما عاش في دهر المجانين
يا رب فاجعل لنا عقلاً نعيش به ... يا مستجيب دعاء المرء ذي النون
آخر:
ثنتان من سيرة الزمان تحيرت ... بهما عقول ذوي التفلسف والنهى
مثر من الأموال منقوص الحجى ... وموفر الآداب منقوص الغنى
آخر:
لما رأيت الدهر دهر الجاهل ... ولم أر المغبون غير العاقل
شربت خمراً من خمور بابل ... فصرت من عقلي على مراحل
آخر:
قد يعدم الحازم المحمود نيته ... نيل الثراء ويثري العاجز الحمق
فلا تخافي علينا الدهر وانتظري ... فضل الذي بالغنى من عنده نثق
إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا ... من حيث شاء ولسنا نحن نرتزق
وكان يقال: الاجتهاد في الطلب من دليل القضاء والقدر.
وقال بزرجمهر: كيأ يذبذن توشأي وتر. يقول: إذا لم يساعد القدر كانت الآفات من جهة الاجتهاد والطلب.
وكان يقال: إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل.
قال الشاعر:
هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
ومن قول الواسطة بين من يقول بالحتم في هذه المعاني وبين من يقول بالإهمال ومحض الاستطاعة قول بعض الحكماء: إن اليقين بالقدر لا يمنع العاقل من التوقي. ولكن التوقي فرض والطلب واجب والقدر غالب. وما أقرب ما قال من قول النبي صلى الله عليه وسلم : إعلموا فكل ميسر لما خلق له. ومن قول من يقول بمحض الاستطاعة والاعتزال وأبرأ إلى الله من ذلك، غير أني أحببت ذكره للناظر في كتابي ليتبين له فساد الأصل. قال بعضهم:
فسدد وقارب في أمورك واجتهد ... فهل لك في ترك المحجة عاذر
ولا تلزم المقدار ذنبك كله ... فأنت ولي الذنب ليس المقادر
فلو كان للمقدار في الذنب شركة ... لكان له حظ من الإثم وافر
آخر:
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
آخر:
إذا أعطاك قتر حين يعطي ... وإن لم يعط قال: أبى القضاء
فبخل ربه سفهاً وظلماً ... ليعذر نفسه فيما يشاء
آخر:
اصفع المجبر الذي بقضاء السوء قد رضي ... فاذا قال: لم فعلت؟ فقل هكذا قضي
باب مدح اليأس واستدعائه
وما يعرض للطالب من الذلة والحيرة قال أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد: موطنان لا أعتذر للعيي فيهما: عند طلب الحاجة وعند مخاطبة الجاهل. وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: طالب الحاجة أبله، فأرشدوا أخاكم وسددوه. وعن ابن عباس: عند كل دخيل دهشة فأرشدوا أخاكم وابدأوا ذوي الحواتج بالجح قبل المطالب. ويقال: ذل الطالب بقدر حاجته.
وكلم أعرابي خالد بن عبد الله في حاجة فلجلج في كلامه. فلما عرف ذلك من نفسه قال: لا تلمني على الاختلاط فان معي ذل الحاجة ومعك عز الغنى عني.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. احتج إلى من شئت فأنت أسيره، واستغن عمن شئت فأنت نظيره، وافضل على من شئت فأنت أميره.
وقال رجل لخالد بن عبد الله: أكلمك بهيبة الأمل أم بجرأة اليأس؟ قال: بل انبسط فتكلم فلك ما أملت. قال النبي صلى الله عليه: المسئلة من وجه غني كدوحٍ أو خموش في وجه صاحبها. قال: أتى رجل محمد بن مطرف بن عبد الله بن الشيخير فقال له: يا ابن أخي اكتب حاجتك في كتاب فاني أضن بوجهك عن ذل المسألة. وكان خالد بن عبد الله يقول: ارفعوا إلي حوائجكم في رقاع فاني أكره أن أرى ذل السؤال في وجوهكم. وكان يتمثل بهذه الأبيات:
لا تحسبن الموت موت البلى ... فانما الموت سؤال الرجال

كلاهما موت ولكن ذا ... أشد من ذاك لذل السؤال
ولبعض الكتاب.
الكتاب وقاية للمسؤل، وصيانة للسائل، ومبلغ ما الحياء مانع منه. وقال لقمان لابنه: أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء، واحفظ عني ما أقول: اعلم أنه لا يطأ بساطك في فنائك إلا راهباً منك أو راغباً إليك، فابدأ بالنوال قبل السؤال فإنك متى لألجأته إلى مسألة أخذت من عرضه، وحر وجهه أكثر مما تعطيه من مالك.
العتبي قال: قال سعيد بن العاص: ما في الأرض أحد سألني حاجة وكلفته أن ينتصب فيها انتصاب العود فرأيت شيئاً مما أعطيته عوضاً مما كلفته. أبو سعيد قال: أخبرني رجل قال: قال القسري لرجل: ما يمنعك أن تسألني؟ قال: إذا سألتك أخذت مني ثمن ما أعطتني.
دخل عبد الله بن عباس على معاوية رحمهما الله، فقال معاوية: والله يا ابن عباس إن بابي لكم لمفتوح، وإن خيري لممنوح، ولا يغلق بابي عنكم قلة ولا يمنع خيري عنكم علة. ولقد نظرت أمري وأمركم فرأيت أموراً مختلفة: ترون أنكم أحق بما في يدي مني وأنا أحق به منكم. وأعطيكم العطية فتأخدونها متكارهين عليها.
تقولون أخذنا دون حقنا وقصر بنا عن واجبنا، فبئس المنزلة نزلت بها منكم، أعطيكم فلا أشكر وأمنع فلا أعذر، ونعم المنزلة نزلت مني أنصف قائلكم وأعطى سائلكم؟ فحسر ابن عباس عن ذراعيه فقال: يا معاوية فتحت لنا بابك حين قرعناه، ومنحتنا حين سألناه، ولئن أغلقت عنا بابك لنكفن أنفسنا عنك. وهذا المال فليس لك فيه إلا ما لرجل من المسلمين فعلى أي جهة أعطيتناه. ولولا حقنا فيه ما أتلك آت منا بجمله خف ولا حافر. كفاك يا معاوية أم أزيدك؟ قال: لا. بل كفاني.
مر أبو الأسود الدؤلي بالأحنف بن قيس وعليه ثياب رثة.
فقال: يا أبا الأسود لو استبدلت بمكانه؟ فقال: رب مملولٍ لا يستطاع فراقه. فبعث اليه بتخوت فيها من ألوان الثياب. فأنشأ أبو الأسود يقول:
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
أليس أحق الناس إن كنت شاكراً ... لشكرك من أعطاك والوجه وافر
أنشدني عاصم بن محمد الكاتب لأبي الأسود الدولي:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلة من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
آخر:
لسانك بالموعود باب مفتح ... وكفك بالمعروف أضيق من قفل
تمني الذي يأتيك حتى إذا انتهى ... إلى أمدٍ ناولته طرف الحبل
باب راحة اليأس وعزه أنشدني محمد بن عيسى:
ويوم منى أعرضت عنها ولم ... أقل لحاجة نفسٍ عند ليلى نوالها
وفي اليأس للنفس المريضة راحة ... إذا النفس زلفت خطة لا تنالها
وكان يقال: اليأس أحد النجحين. ويقال: السراح من النجاح.
قال الشاعر:
أرحني بالذي تضمر إن المطل تكدير ... وإن اليأس كالنجح إذا لم يك تحرير
آخر:
لعمرك لليأس قبل المطال ... أروح من أملٍ كاذب
اليأس أروح من تأميل مغرور. وقال بعض الحكماء: كل فائتة إذا وقع اليأس منها رزقت السلوة عنها. ومما يشبه هذا قول المجنون:
وإن أك عن ليلى سلوت فانما ... تسليت عن يأس ولم أسل عن صبر
ولبعض الكتاب. شغلت قلباً فارغاً بوعدك، وأتعبت بدناً وادعاً بضمانك، فإن أعدمتني لذة النجح من مطلبي فلا تعدمني اليأس بصدقي. أنشدني أبو النضر.
وعدت أبا العباس وعداً فإن يكن ... له منك إنجاز فمني له الشكر
وإن تكن الخرى فيأس معجل ... تراح به نفسي وينبسط العذر
وقال الفارسي: يكي به هزارها آسانية. معناه: مرة واحدة تعقب ألف راحة. شاعر:
اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأسٍ فإن العز في الياس
من يعمل اليأس يبدي اليأس بهجته ... حتى يرى جبلاً في أعين الناس
آخر:
واليأس مما فات يعقب راحة ... ولرب مطمعة تعود ذباحا
وقيل: اليأس عز والطمع ذل. وللباهلي:
وسوى اليأس بين الناس عندي ... ولن يشقى بي الرجل الوضيع
آخر:

قال سعيد بن العاص: ما رددت أحداً عن حاجة فخرج عني إلا تبينت عز اليأس في قفاه. وقال عمر بن الخطاب: من يئس من شيء استغنى عنه.
آخر:
وما نال مثل اليأس طالب حاجة ... إذا لم يكن فيها نجاح للطالب
آخر:
ويئست مما قد لهجت به ... منها ولا يسليك مثل اليأس
باب إحماد التؤدة والرفق قال بعض الحكماء: التؤدة يمن وفي اليمن نجح.
القطامي.
قد يدرك المتأنى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
قال النبي صلى الله عليه : من حرم الرفق فقد حرم الخير.
وقال صلى الله عليه لعائشة: عليك بالرفق فإن الرفق لا يخالط شيئاً إلا زانه ولا يفارق شيئاً إلا شانه. ولعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
إصبر على مضض الإدلاج في السحر ... وللرواح على الحاجات والبكر
لا تعجزن ولا يضجرك مطلبة ... فالنجح يتلف بين العجز والضجر
إني وجدت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبةً محمودة الأثر
وقل من جد في شيء يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
خلق الله عز وجل السموات والأرض في ستة أيام ولو شاء قال لهما: كونا. فكانتا. وقال عز وجل. (فقولا له قولاً لينا) ولو شاء أن يأمرهما بالعنف لأمرهما، ثم لم يكن يصيبهما من مكروه فرعون ما قد تكفل لهما بصرفه عنهما ربهما. وقال الشاعر:
تأمل ولا تعجل بأمر تريده ... فإن الفتى من أمره ما تأملا
يقول: الإنسان على رأس أمره ما دام يتأمل ويترفق في استعمال الحزم. فاذا عجل فرط وخرج الأمر عن يده. وقال هدبة:
ولا أركب الأمر المدوي غمةً ... بعميائه حتى أزور فأنظرا
كما تعمل العشواء تركب راسها ... وتترك جنبا للمعاذير معوراً
المدوي: الملتبس المغطى كاللبن الذي عليه دواية. وهي جلدة تركبه. غمة: لبسة. العشواء: التي تبصر في الليل. يقول: إذا لم تحزم في أمرها ذهبت حيث أرادت على غير بصيرة وتركت جنبها معوراً للمعاذير، أي لم يكن لها عذر في خطابها. وهذا مثل، يقول فلست أنا كهذه.
باب ذم الحرص قال علي بن عبيدة: الحرص فضول الشهوات، واشتطاط الأماني، وأذى الطبائع، ومهانة النفس، وشك في المقدور، وسخف في الرأي، وزهد دائم. وقد نهى الله عن الحرص. فقال عز وجل: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم). وقال الحسن بن سهل: ما رأيت رجلاً قط مقصراً في مطالبة الظفر إلا وسعت عليه العذر وإن كان عظيم التفريط، إذا كانت النفس مطبوعة على حسب السعي في حواية الفضل. وذلك دليل على أن اقتصار هذا على ما قل منه دون ما كثر لما وقف عليه من القسم.
تقول العرب: جاءنا فلان تضب لثته ويدمى فوه ويرذم أنفه. إذا جاء طعاماً حريصاً. فقولهم تضب لثته أي يسيل من لثته الماء لا يحبس من حرصه لعابه. وقال عنترة في مصداقه:
أبينا أبينا أن تضب لثاتكم ... على مرشقات كالظباء عواطيا
قوله: يدمى فوه من الدم أي يسيل منه الدم. وأصله من أكل اللحم أن يحرص الرجل عليه فيسرع أكله حتى يأكل العظم فيدميه.
ويرذم أنفه أي يسيل منه المخاط من حرصه لا يمسحه. والرذم القطر. وقال فيه كعب بن زهير يصف الغنم.
من لي منها إذا ما أزمة أزمت ... ومن أويس إذا ما أنفه ردما
ليس حرصك على مطلوبك بزائد في مقسومك، ولا توانيك فيه بناقص ما قدر لك منه. وبين ذلك سعة الاستبصار وتفصير الاقتصار، فأجمل في الطلب وأقلل من التعب. فحسبك تكلفاً حملك نفسك على متالفها مع علمك بقول الله في قصة لقمن: يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير.
الحرص يزري لصاحبه وترك السعي يدعوه إلى سوء الظن بخالقه، فلا تكابر القدر مكابرة المغالب ولا تتكل عليه اتكال المستسلم. قال عدي بن زيد:
قد يدرك العاجز من حظه ... والرزق قد يسبق حرص الحريص
باب ما يعرض للطالب من المكاره

في كتاب كليلة ودمة: ينبغي للعاقل أن يقرن رجاء النجح والسلامة بخوف الإكداء والنكبة، ولا خير في الشيء الذي في عاجله مال وجاه وفي آجله الجائحة والتلف. وفي الأمثال: رب طلب قد جر إلى حرب، ورب مطمعة تعود ذباحاً. وسقط العشاء به على سرحان. قيل ذلك لرجلٍ خرج في طلب ما يتعشى به فأكله الذئب. وفي الأمثال كالباحث عن المدية.
وأصل ذلك أن تيساً بحث عن شيء يأكله فوقع على مدية ذبح بها. قال صالح بن عبد القدوس:
وكم من ملح على بغيةٍ ... وفيها منيته لو شعر
وكم تارك حظه بعدما ... أزيد من حظه واقتدر
قال بعض الحكماء: خل عما تهوى تنج مما تخشى. وفي كلام لبعض الأعراب: ربما أثمر الأمل أجلاً ونتجت الأمنية منيةً وأنشدني الليث:
ورب سلامة تدعو ... إلى الآفات والعلل
ومطمعة بها حقاً ... تكون بديهة الأجل
وقال بعض الأعراب: طالب الفلاح كالضارب بالقداح سهم له وسهم عليه. وللفارسي: نه هر جاكه دوذ آيد دير برتك توكداني نهند. يقول: ليس كل دخان طبيخ ربما كان دخان كي.
المعنى: لا تطمع في كل شيء حتى تختبره. وللعرب في هذا: لا تطمع في كل ما تسمع. قال عبيد الله: من حاول أمراً بمعصية كان أفوت لما رجي وأقرب لمجيء ما اتقي. إن الحوائج جمة منها اليسيرة والمنيعة، فاحذر تنجز حاجة توفي على شرف القطيعة. انشدني هشام بن محمد للعتابي.
فإن جسيمات الأمور مشوبة ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود
عبيد الله: أما بعد فإن الجد في الطلب يعرض صاحبه للعطب فتبصر في العواقب، فقد قيل: من لم ينظر في العواقب فليس للأمور بصاحب.
باب الإجمال في الطلب قيل لبزر جمهر: متى يكون الإكداء خيراً من النجح؟. قال: إذا أكدى بك الإجمال وأنجح بك سوء الطلب. قال الحسن البصري: لا تجاهد الطلب جهاد المغالب واتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة والإجمال في الطلب من العفة. وليست العفة بدافعة رزقاً ولا الحرص بجالب فضلاً، لكن الرزق مقدور واستعمال الحرص اكتساب المأثم.
وفي كتاب كليلة ودمة: ينبغي للعاقل أن يكون إدخاله يده في فم التنين وابتلاعه سمه أهون عليه من مسألة اللئيم. قال إبراهيم بن حفصة لابنه: يا بني صن شكرك عمن لا يستحقه واطلب المعروف ممن يحسن طلبك إليه واستر ماء وجهك بقناعتك وتسل عن الدنيا كتجافيها عن الكرام.
قال علي بن أبي طالب عليه السلام: مسألة الرجل السلطان كمسألة والده لا يشينه ولا ينقصه. قال بزرجمهر: أشد من الحاجة أن تكون إلى غير أهلها. قال آخر: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها.
قال أكثم بن صيفي: خير ما فاتك ما توقي بفوته عرضك. ومن هنا أخذ الباهلي قوله:
ما سؤتني اذا وضعت الثقل عن عنقي ... بمنع رفدك اذا أخطأت في طلبي
اعتضت من ذاك عزا باقياً وحمياً ... للعرض مني وإبقاءً على حسبي
قال بعض الحكماء: لا تسأل من لا يشفع لك عنده رغبة في الشكر أو يعينك عليه نية في المعروف. وقيل: مكتوب في التوراة: ابن آدم لا تسأل الناس، فإن كنت لا بد فاعلاً فسل معادن الخير ترجع مغبوطاً محسوداً.
للباهلي وقيل للعلوي البصري:
ولست بنظارٍ الى جانب الغنى ... اذا كانت العلياء من جانب الفقر
آخر:
وأعسر أحياناً فتشتد عسرتي ... وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
قال: وأتنشدني ابن أبي الأشعث:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريب
قال بعض الحكماء: من أمل فاجراً كان ادنى عقوبته الحرمان.
قال أبو سعيد: سمعت أعرابياً يقول لأخيه: قد كنت نهيتك عن مسألة قوم أرزاقهم من ألسنة الموازين وأفواه المكاييل.
وأنشدني محمد بن إسحق:
لئن أخطأت في مدح ... ك ما أخطأت في منعي
فقد أحللت حاجاتي ... بوادٍ غير ذي زرع
عربي:
أملي فيك غرني فأقلني ... مدحي فيك يا أبا عدنان
إن من ضيع الرجاء حقيق ... أن يجازى عليه بالحرمان
قال زيد بن نشيط لوهب الشاعر: ما الاجمال؟ قال: أن لا تسأل مثلك. وأنشدني وهب:
ولست بسائل الأعراب شيئاً ... حمدت الله ان لم يأكلوني

تعرض بعض طلاب المعروف لبخيل ذي سلطان فتوعده بضرب خمس مئة سوط. قال: وددت أنك قد عجلتها. قال: ولم تستحب تعجيل المكروه؟ قال: لأصير عظةً ونكالاً لمن سأل مثلك. إني تكلفت من هراقة ماء وجهي لك وإعمال فكري اليك وجولان قلبي في ليلي لاختيارك موضعاً لحاجتي شقة وتعباً.
فكما لم أصن وجهي عن ابتذاله فلا تصن رفدك عن اختصاصي به. فانه إن لم يكن لي مجازة بذات اليد فالاجتهاد في الشكر أحد الجزائين، وعلى الله المكافاة في الآخرة اذ قصرت عنها طاقتي، وكل دونها وسعي.
آخر:
يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
ومن أحسن ما بلغني في شبيه هذا المعنى:
فعاجو فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال بعضهم: ما أحد أعظم علي يداً من رجل بات طول ليلته يتململ على فراشه، فلما أصبح رآني موضع اختياره فذاك لو وهبت له الدنيا لما كان لماء وجهه عوضاً:
ما ماء كفك إن جادت أو بخلت ... من ماء وجهي وان أفنيته عوضا
باب ذم الفقر قال أكثم بن صيفي: الفاقة تمنه الشرف وتخمل الذكر، وتوجب المذلة:
كم من كريم سيد ماجدٍ ... شيمته خلف واجمال
أخمله الفقر فأزرى به ... وناقصٍ سوده المال
لا تحمد الناس وإن عظموا ... فانما تكرمك الحال
ذو المال معبود وإن لم يكن ... له على الإخوان إفضال
وما عال الفقر على أحد ولا عدل عليه الارد عن الحجة وقورن بالخيبة، وانتكثت دونه الحيل، وضاق عليه الزين، واتسع فيه الشين، وسيم خسفاً وجشم افراطاً وحمل هضيمة وألزم في كل أحواله عاراً ومذمة، وكان ضرعاً مستجدياً. روي في بعض الأحاديث: كاد الفقر يكون كفراً. وأنشد:
المال فيه مجلة ومهابة ... والفقر فيه مذلة وقبوح
آخر:
سميت الدهر حين رأيت دهراً ... يكلفني التنصف للرجال
آخر:
لعمرك ان المال قد يجعل الفتى ... سنياً وان الفقر بالمرء قد يرزى
آخر:
ذريني للغنى أسعى فاني ... رأيت الناس شرهم الفقير
وأصغرهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له كرم وخير
يباعد في الندي وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير
ولتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
له فضل عليهم غير عرف ... سوى أن ماله مال كثير
قليل عيبه والعيب جم ... ولكن الغنى رب غفور
وقال بعض الحكماء: المال يسود غير السيد ويقوي غير الأيد.
الفقر يرزي بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود غير السيد المال
آخر:
كم سود المال قوماً لا قديم لهم ... وأخمل الفقر سادات من العرب
وفي كتاب كليلة ودمنة: الفقر داعية الى أصحابه مقت الناس، وهو مسلبة للعقل وللمروءة، ومذهبة للعلم والأدب، ومعدن للتهمة ومجمعة للبلايا. من نزل به الفقر والفاقة لم يجد بداً من ترك الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره مقت وأوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد عقله واستنكر حفظه وفهمه، ومن أصيب بفهمه وعقله وحفظه كان أكثر قوله وععمله قيمةً عليه لا له. فإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمناً وأساء به الظن من كان يظنبه حسناً، وإن أذنب غيره ظنوه وكان للتهمة وسوء الظن موضعاً، وليس من خلة هي للغني مدح إلا هي للفقير عيب، فإن كانه شجاعاً سمي أهوج، وإن كان جواداً سمي مفسداً، وإن كان حليماً سمي ضعيفاً، وإن كان وقوراً سمي بليداً. فالموت أهون من الفاقة التي يضطر صاحبها الى المسألة لا سيما من البخيل.
قال: وكان احيحة بن الجلاح ينزل بالمدينة، فافتقر فجفاه اخوانه وأحباؤه وجفته زوجته، ثم أنه اثرى فاستفاد نيفاً وتسعين ببراً للنخل بالمدينة وكان له نخلة على ثلاث منها. فكان يأتيها بنفسه ويسقيها ويتعهدها. فقال في ذلك:
استغن أو مت ولا يغررك ذو حسب ... من ابن عم ولا عمٍ ولا خال
إني اكب على الزوراء اعمرها ... ان الكريم على الإخوان ذو المال
والمال يغشى أناساً لا طباخ بهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي

الدندن من النبات: ما قد بليت. لا طباخ لا فائدة.وله أيضاً:
أطعت العرس في الشهوات حتى ... أصارتني عسيفاً عند عبدي
اذا ما جئتها قد بعت عذقاً ... تقبل أو تعانق أو تفدي
والسائر في هذا المعنى قول أوس بن حجر:
وإني رأيت الناس إلا أقلهم ... خفاف العهود يكثرون التنقلا
بني أم ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبداً سيد الأمر جحفلا
وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضاً في العشيرة مخولا
آخر:
إذا قل مال الرجل قل صديقه ... وأومت إليه بالعيوب الأصابع
آخر:
إذا قل مال المرء قل حياؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازماً ... أقدامه خير له أم وراؤه
وقال بعض الفرس: الموت شديد وأشد منه الغربة، وأشد الشدة الفقر، فإن الرجل إذا افتقر كان ضرع اللسان لا يزال يضرع فلا يقبل منه.
باب مدح الفقر قال عبيد الله: قد قال الناس في ذم الفقر فأكثروا. وغنما ذمه من ذم لن الفقر بلوى والغنى عافية. والناس يختارون العافية وإن لم يقوموا بشكرها ويتبرأون من البلوى، وإن أسوأ جزاء الصبر عليها. وليس من ابتلي فصبر كمن عوفي فشكر، وإن كان كلتا المنزلتين عند الله وجيهتين معظمتين، لأن المبتلى الصابر يكاد يبلغ درجة النبياء صلى الله عليهم. وينبغي للعاقل أم يسأل الله عز وجل العافية على كل حال، ولا يتعرض للبلاء على حال، غير أن محمل العافية خفيف ومحمل البلاء ثقيل. فعلى قدر ثقل البلاء وشدته يرى للصابر عليه الثواب من ربه. وقد قال الله تعالى: (كلا إن اإنسان ليطغى أن رآه استغنى). وقال: (وإذا أنعمنا على الإنسان اعرض ونآى بجانبه). وقال: ( إنما أولادكم فتنة). فمن وفق رأى في أضعاف البلاء جلائل من نعم الله عز وجل وحسن اختياره وجميل نظره فعلم أن منع عبده ما منعه خير له وأعطاه ما ينبغي أن يفوز به من ان يكون حجة عليه واستدراجاً له. فقد بلغنا في تفسير قوله: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. قأل: ما جددوا معصية الا جدد الله لهم نعمة يستدرجهم بها. وقال في آل فرعون: كم تركوا من جنات وعيون. وزرع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين.
كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.
وفي الحديث إن اليهود عيروا عيسى عليه السلام بالفقر. فقال: من الغنى أو تيتم البلاء. إنا لم نر أحداً يعصي الله ليفتقر إنما يعصي الله ليستغني. وإنما كان يقول: شعاري الفقر ولباسي الشعر، وطعامي ما أنبتت الأرض، ودابتي رجلاي، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، أصبح ولا شيء لي، وليس على وجه الأرض أحد هو أغنى مني.
وبلغني أن الفقير الصبور يدخل الجنة قبل الغني الشكور بأربعين عاماً. قال: وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون.
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: لن أموت وعلي أربعة آلاف أنوي قضاءها أحب إلي من أن أترك مثلها حلالاً.
وقرأت أن سلمان قال: خشيت أن أكون تركت عهد النبي صلى الله عليه. قالوا: ولم؟ قال: لأنه عليه السلام قال: من أراد أن يدخل الجنة فلا يكونن زاده من الدنيا إلا كزاد الراكب. قال سلمان: وأنا قد جمعت ما ترون. قال: فقوموا ما عنده فبلغ ثمانية عشر درهماً. ويروى عن النبي صلى الله عليه أنه كان من دعائه: اللهم أحيني مسكيناً وتوفني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين. وروي أنه كان يقول: اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً. فسئل بعضهم ما الكفاف؟ فقال: جوع يوم وشبع يوم. ولبعض المعمرين:
أأخي إن الجائحات ... عركنني عرك الأديم
وتركنني متخرق الأطمار في ثوبي عديم
إن كن أثوابي بلين ... فإنهن علي كريم
ويروى أن الفقر شعار الصالحين. ويروى عن عيسى عليه السلام أنه كان لا يأوي تحت سقف بيت، فألجأه المطر ذات ليلة الى غار فدخله فإذا سبع قد سبقه اليه. وكان صدره قد ضاق قليلاً فأوحى الله اليه: يا عيسى أضاق صدرك؟ فوعزتي لأزوجنك أربعة آلاف حوراء ولأولمن عليك ولأولمن عليك ألف عام.
للعتابي ويقال لابن الجهم:
ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عاراً أن يزول التجمل
ابن الأعرابي:

لعمري لئن ساءتك مني بديهة ... من الحال ينبو عن رثاثتها البصر
لقد ضمن الأحشاء مني عزيمةً ... إذا امتحنت زكى موردها الصدر
وان امرأ لم يثلم الدهر عرضه ... على طول تعنيف لموضع مدخر
كفا بالغني عاراً أو نقصاً اذا بدا ... له منظر زاكٍ وليس له خبر
وكان يقال: من أصبح آماً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما خيرت له الدنيا. قال الحسن: يا ابن آدم ان كنت تطلب ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك. وغن لم يقنعك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك.
باب الحث على الطلب قال بعض الحكماء: عليكم بالرحل والإرتحال ونصب البدن واحتياض الغمرات واستهال الوعور، واجتراء أودية الرغبة لارتياد المنفعة وطلب المعيشة، فان الحازم لا يدع لدعة نفسه ومصلحة شأنه مصعداً الا صعده، ولا موطأ الا ألتمسه، ولا مرجماً الا رجمه، ولا مضيقاً الا سلكه. وأنشدني بعضهم:
زحزح همومك بالمهرية النجب ... واقذف بنفسك في الآفاق واغترب
حتى تنال غنى من وجه مطلبه ... وتستريح من الترداد والطلب
وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس المال بكل مكان. فان الكريم محتال والدني عيال. وكان يقال: اتعب يومك لراحة غدك. قال الله تعالى حثاً على الطلب: فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله. ومدح قوماً بالطلب. فقال: وآخرون يضربون في الأرص يبتغون من فضل الله. وقال عمر بن الخطاب: اقبلوا على ما يصلحكم من أمر دنياكم فإنه قوام وجوهكم وبلاغ إلى آخرتكم.
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
ولا ترض من عيش بدونٍ ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا
وفي الأمثال: أطلب تظفر. وفيها قال شاعر:
ولا تقعدن بمضيعة ذلولاً ... ولكن ألق دلواً في الدلاء
تجيء بملئها ماءً وطوراً ... تجيء بحمأة وقليل ماءٍ
وفيها: كلب جوال خير من أسد رابض. وكان يقال: من غلا دماغه صائفاً غلت قدره شاتياً. ولبعض الأعراب:
ألا خلني أمضي لشأني ولا أكن ... على الدهر كلا إن ذا لشديد
أرى السير في البلدان يغني معاشراً ... ولم أر من يجدي عليه قعود
إذ ما الفتى لم يبغ إلا لباسه ... ومطعمه فالخير منه بعيد
آخر:
الوكر من آلة الفراخ ولا ... يوكر سبط الجناح هدار
أجدل ذو مخلبين مندمج ... يدمى له منسر وأظفار
فبالسرى والدجى وهاجرة ... والعيس تحت الظلام أوطار
ومهمهٍ لا يرام جانبه ... عسكره بالمنون جرار
إذا تجاوزت منه مسبعةً ... لاقتك مجهولة وأوعار
لا يألف الدهر وهو آيته ... حر أبي نمته أحرار
آخر:
رأتني قليل النوم غير مسهد ... أخا أملٍ عالٍ وهم مخالف
وقد سمعت لي منطقاً ذا أصالة ... وقد حمدتني في الأمور العواسف
وقد راعها مني جمال وبهجة ... وعلم بأنباء القرون السوالف
وقد عجبت أن لا تراني مومراً ... ولا ذي تلاد مستهل الطرائف
لأكسب مالاً أو يقال: ابن حرةٍ ... سقته صروف الدهر كأس المتالف
وقع عبد الله بن طاهرٍ: من سعى رعى ومن نام رأى الأحلام. قال الكسروي: أخذه من توقيع لأنوشروان:
ليس للحاجات إلا ... من له وجه وقاح
ولسان ذا فضولٍ ... وغدو ورواح
قال بعض الحكماء: إني لأسعى في الحاجات، وإني لا أيأس منها. وذلك الإعذار لئلا أرجع على نفسي بلوم. قال عمرو بن عتبة: من لم يقدمه الحزم أخره العجز. وقال بعض الحكماء: الروح في الحركة وهي مفتاح الدرك، وداعية النجح. والكسل مغلاق الدرك وداعية الحرمان. وقيل لبزرجمهر: بم ادركت ما أدركت؟ قال: ببكورٍ كبكور الغراب، وصبر كصبر الحمار وحرص كحرص الخنزير. وقيل لد غفل: بم بلغت ما بلغت؟ قال: بقلب عقول ولسان سؤول. عروة بن الورد:

ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذراً أو يصيب غنيمةً ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه عن ربه عز وجل: (يا ابن آدم احدث سفراً أحدث لك رزقاً. عبيد الله في الحديث: سافروا تصحوا وتغنموا:
ولن يريح هموم النفس إذ حضرت ... حاجات مثلك إلا الرحل والجمل
وقيل لأبي الأسود: مالك كثير الجولان وأنت كبينر السن؟ قال: لئلاً أكون جليس المرأة وجليس البيت: لا تشاء العنز تبول علي إلا بالت.
فصل لعبيد الله: ليس فضل السعي بزائد في مقسوم الرزق ولكن الله جعل له سبيلاً إلى إزالة العتب عن النفس ودركا في الاستسلام لغلبة القضاء والقدر، إذ كان على المرء ألا يقبل على نفسه ذلا.
وليس عليه أن يزيل عنها قدراً حتماً. وهذا شبيه بقول الشاعر:
على المرء ألا يرام الضيم أنفه ... وليس عليه أن يساعده القدر
باب ذم التواني والتسويف كان يقال: العجز وطيء أي لا تكره صعوبة الحزم وتختار وطأة العجز. ولبعضهم: نكح العجز التواني فولدت بينهما الندامة. وقال أكثم: لا أحب أن أكفى أمري كله.
قيل: ولم ذلك؟ قال: أخاف عادة العجز. وقال حكيم لولده: اياك والعجز والتواني في الأمور فتقذفك الرجال خلف أعقابها.
وكان الغريض مترفاً منعماً لنفسه. فسأله بعض إخوانه أن يمشي معه في حاجة فقال له: لولا أن يراني عدوتي - ولم ترني منذ حين لمشيت معك. قال: ومن عدوتك؟ اقل: الشمس. لا وحياتك ما وقعت علي منذ سنة. وكما أن الإبطاء عند القدرة مذموم فكذلك العجلة قبل الفكرة مذمومة.
وقد مدح رجل من العرب رجلاً سئل عنه، فقال: إنه والله ما يكفكف من عجلة ولا يدفع في ظهره من بطءٍ. وكان يقال للحاجة آفتان الاستعجال بها قبل وقتها والتأني فيها حتى تموت. وفي عهود بعض القضاة: وأمره أن يتجنب خصلتين هما آفتا القضاء وسبب تودير الحقوق: العجلة قبل إثبات الحجة، والانتظار بالفصل بعد وضوح الدلالة وقيام البينة. وانشدني محمد بن عيسى:
فلا تطمع لأمر إن تدانى ... ولا تيأس من الأمر السحيق
ولا تعجل فتسبق ما يرجى ... ولا تنظر فتقصر عن حقوق
وكان إياس بن معاوية يتمثل:
وأوقف عند الأمر ما لم يبن له ... وأمضي إذا ما شك من كان ماضيا
وقيل لبزرجمهر: أمن الاجتهاد ما هو شر من التواني؟ قال: نعم. ما كان في غير حينه. قال بعض الحكماء: آفة الطلب في تيمم أوقاته. بلغنا أن رجلاً من العرب طلب الأدب حيناً فأعياه فتركه، فبينا هو في بعض الطريق يسير إذ مر بصخرة ملساء فتأملها فإذا الذر يدب عليها فمن كثرة دبيبه كان أثر في الصخرة. ففكر فقال في تفكره: مع صلابة هذا الصخر وخفة هذا الذر أثر فيه هذا الأثر فأنا حري أن أدوم على الطلب وأجد في الأدب فلعلي أصير فيه رأساً. فراجع الإكباب على الأدب فلم يلبث أن خرج فيه مبرزاً. ولأبي العتاهية في ذمسوف وما أشبهها:
لا يشغلنك لو وليت عن الذي ... أفنى القرون ولا لعل ولا عسى
وفي الحديث: أن رجلاً دخل المسجد والنبي صلى الله عليه جالس.قال له: يا فلان أما جمعت؟ قال: أما رأيتني يا رسول الله جمعت معك. قال صلى الله عليه: رأيتك آذيت وآنيت أي أخرت المجيء.
لم تزل تسوق حاجتي حتى خرجت من آوانها إلى آواني لو أسعفتني بها فيه ما كان لها علي كثير أثر ولا من نفع، ولو أسعفتني بها في أول طلبتها لكان في ذلك صون لوجهي عن سؤال أحدٍ سواك. وسبق منك إلي بارع عرف وجميل اصطناع قل ما سبق السابقون إلى أفضل منه. فقد قطعت الآن لساني عن الاحتجاج عنك فجعلت ذنبك وقايةً له عن الاحتجاج عنك. وبحسبي ما لحقني من إساءتط بعد إحسانك. وزال عني عن معروفك ما قد كنت أعده لي عتاداً ومن محذوري حرزاً حريزاً.
باب ذم العجلة وفي الأمثال: رب عجلة تهب ريثاً، يقول:رب عجلة يراد بها صلاح الأمر فتفسده حتى لا يصلح إلا بعد مدةطويلة فكأنها كانت ريثاً. وهذا قريب من قول بزر جمهر: إن شراً من التواني الإجتهاد في غير حينه.
الخرق شؤم والأناة سعادة ... فاستأن حلمك في أمورك تسلم
والرفق يمن والأناة سعادة ... فتأن في رفقٍ تلاق نجاحا

وفي الأمثال: الرفق يمن والخرق شؤم. أنشدني عبد السلام:
ولا تعجل بأمر الشك حتى ... تبين والظهور لها بطون
ولا تعجل بأمرك قبل حين ... فعند الحين تنقطع الظنون
قال بعض الحكماء: إياك والعجلة فإنها خرق والخرق شؤم. وعليك بالأناة فإن يمن. وكان يقال: الزلل من العجل.
وإذا هممت بأمر شر فاتئد ... وإذا هممت بأمر خير فاعجل
وليس من هذا الباب ولكنه ظريف.
قد يدرك المبطئ من حقه ... والنجح قد يسبق جهد الحريص
وهذا المعنى من باب المقادير وقد ذكرناه فيه. وكان يقال فيه: إن من الحزم والأناة التثبت، وإن العجلة لا تزال تورث أهلها حسرةً وندامة. قال: وأنشدت:
اصبر على مضض الإدلاج بالسحر ... وبالرواح على الحاجات والبكر
السائر في هذا المعنى قول الشاعر:
تأمل ولا تعجل بأمرٍ تريده ... فإن للفتى من أمره ما تأملا
ولعبيد الله: من عجلت إلى مدحه فلما كشفته اضطررت إلى مقته. ابن جدعان:
ربما عاجل يخالف نجحاً ... وبطيء يصيب يوماً نجاحا
قال بعض البلغاء: العجول مخطئ وإن أصاب. فكيف إذا أخفق؟ وقال: العجلة من الشيطان. لا تغرنك إصابتك مع العجلة، ولا يسوءنك إخطاؤك من التأني والرفق. فإنك إذا عجلت فأصبت وافقت إصابتك قدراً لا محيص عنه. ولو لم تعجل لبلغت المراد كما بلغته لما عجلت، وغن كان ما أردت متعذراً في حال الرفق فهو مع العجلة اشد تعذراً، لأن العجلة رهق والتؤدة تأمل وبصيرة.
باب اختيار المأمول قال النبي صلى الله عليه: (إذا طلبتم الحوائج فعليكم بحسان الوجوه. فأخذ معناه شاعر فقال:
لوجه المرء ذي الخلق المصفى ... على ما ثم من خير دليل
كما قال الرسول رسول ربي ... وقد صدق الإله والرسول
عليكم بالحوائج فاطلبوها ... إلى من وجهه حسن جميل
آخر:
حسن ظني إليك أسعدك الله ... دعاني فلا عدمت صلاحا
ودعاني إليك قول رسول الله ... إذ قال مفصحاً إفصاحا
إن طلبتم حوائجاً عند ثوم ... فتنقوا لها الوجوه الصباحا
ولعمري لقد تنقيت وجهاً ... ما به خاب من أراد النجاحا
وقال ابن عباس: لا تطلبن إلى أعمى حاجةً ولا تطلبنها بالليل من البصير. فإذا طلبتها فاستقبلها بوجهك. فإن الحياء في العينين. عطاء بن ميسرة قال: الحوائج من عند الشبان أسهل منها عند المشايخ. ثم تلا هذه الآية من قول يوسف: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم). وقول يعقوب: ( سوف أستغفر لكم ربي). وكان ياقل: لا تنزل حوائجك بالجيد اللسان ولا بالمتسرع إلى الضمان فإن العجز مقصور على التسرع ومن وثق بجودة لسانه ظن أن في فصل بيانه ما ينوب عن عذره وأن وعده يقوم مقام حجته. قال وهب نب منبه: مكتوب في التوراة: يا ابن آدم لا تسأل الناس، وغن كنت لا بد فاعلاً فسل معادن الخير ترجع مغبوطاً؟ ومحسوداً. ولا تسأل معادن الشر فترجع مغلوباً محسوراً. ابن حازم:
لا تسألن المال عند امرئ ... أصاب اليسارة من كده
ولكن سل المال عند امرىءٍ ... إذا أورث المال عن جده
كان يقال: أبو كبسة أقوم مسنان. يقول: لا تستقرض رجلاً حديث عهد بالنعمة. إنه سيء الاقتضاء قليل النظيرة مستكثر للقليل يخشى من الفقر الذي جرب وعرف. وتقول العامة في كلامها: لا يلتمس الحوائج عند من لا يأكل من مائدة أبيه.
وفي شبيه بهذا المعنى قول العجاج في رجل مدحه:
في معدن الملك القديم الكرس ... ليس بمقلوع ولا منحس
أي في معدن الملك الذي قد توارثه آخر عن اول.
ولو كنت إذ أفنيت أيامي في التردد إلى فلان ووقفت أملي عليه قدمت للروية في الاتياد وأصبت مطية النجح ما أكدى مطلبي، ولا أخطأت فراستي. ولكني وردت عليه بغير بصيرة فكانت عاقبة أمري خسراً، أو أكسبني ذلك نقيصة وذماً. فتبارك الله رب العالمين.
باب الإهداء إلى من يلتمس فضله

إنما يجتلب الدر ممن ليس بضامر على الخرز، ويلتمس المعروف من طلق الوجه واليدين. وقد حضرني مما رجوت أن يصلح لك كذا فأجبت أن أجعله تذكرة لي في خزانتك، وسبيلاً إلى إحسانك إذ أعيت الوسائل عندك إلا بك، وسهل عليك استدعاء الإحسان منك بيسير الرغبة إليك. فلا زلت غلاباً على المكرمات محظوراً عن النائبات منصوراً في نوازل المهمات بقدرة من لا يعجز قدرته شيء، ولا يخفى من علمه إحسان محسن وهو فعال لما يشاء.
إنما تمتد الآمال أيدك الله نحو معادن الكرم وأهل خصوصيات السؤدد وعموميات العوارف. وهذا أعزك الله يوم احببت أن تكون لي عندك فيه تذكرة أستدعي بها منك زيادة في التقديم والإيثار والمبسط والإيناس، إذ كنت لا أنبو عن إلقاء مقاليد الأمل، والإتكال بعده لله عز وجل. وأنت حري بقبول ذلك ممتناً علي، ولي شاكر ومصطنع طائع.
باب ارتجاع الهدية ممن أملت منه فضلاً فلم تنل ذلك
للبحتري:
فإن لم تنيلوني التي قد تقدمت ... مواعيدكم فيها وآثاركم عندي
فردوا قوافي التي سار ذكرها ... بأقطار أرض الله في القرب والبعد
وشرخ شباب قد نضوت جديده ... كما جرد السيف اليماني من الغمد
وما أنا والتقسيط أن تلزمونني ... وبكيت قبلي خلة القوم أو بعدي
سبيلي أن أعطي الذي تسألونني ... وحقي أن يجدي علي ولا أجدي
فردوا القوافي السائرات بذكركم ... وما حزتموه من ثناءٍ ومن حمد
وقد كان من حقي وتكلفي الشقة إليك وتجشم هراقة ماء وجهي بمسألتك ما يوجب على مثلك من الرؤساء والكرماء ألا يخيب معه ذمامي ولا يبطل من جدواك حظي، فأنا الآن أرض من إحسانك برجوع تحفتي إلي إذ كنت لا أستنكف في تجملي من القول فيها، ولا أخجل عن ذكرها لمن يسألني عنها من إخواني، لأنها كانت مني على سبيل متاجرة لا مكاثرة، وأن القضاء والقدر ليحولان بين العباد وبين الإرادات، وليس إليه شيء من المشيات:
سبيل من ضن بما لديه ... أن يعرف الحق الذي عليه
ولا يبيح سب والديه ... لما تحرى قلع ما ضغيه
فإنما المرء بأصغريه لو كان طول مقامي بباب فلان مما نفعني في رفع شر عني أو اجتلاب خير ما ساءني ما تكلفت من المشقة، وألزمت نفسي من الكلفة، وأنطقت به لساني من الشبهة والد لسه والمدح التي ليست بخلسة فالآن إذ عاد أملي بائراً لا ترجى عمارته، وظني مخلفاً لا يوصل بحقيقته فرد مدحي السائرة وتحفتي المستحقرة المتصغرة أولى وأحق في ذلك على من هجن نفسه بالبخل وشانها بالمنع.
 

ج 1. كتاب:الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني + 45. جزء الروابط مرفقة

 

الصفحة الرئيسية

مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

 

كتاب:الأغاني
لأبي الفرج الأصفهاني

أقسام الكتاب

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45.

 

ذكر المائة الصوت المختارة

الرشيد يأمر المغنين باختيار ثلاثة أصوات
أخبرنا أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم قال حدثني أبي قال
حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن أباه أخبره أن الرشيد رحمة الله عليه أمر المغنين وهم يومئذ متوافرون أن يختاروا له ثلاثة أصوات من جميع الغناء فأجمعوا على ثلاثة أصوات أنا أذكرها بعد هذا إن شاء الله قال إسحاق فجرى هذا الحديث يوما وأنا عند أمير المؤمنين الواثق بالله فأمرني باختيار أصوات من الغناء القديم فاخترت له من غناء أهل كل عصر ما اجتمع علماؤهم على براعته وإحكام صنعته ونسبته إلى من شدا به ثم نظرت إلى ما أحدث الناس بعد ممن شاهدناه في عصرنا وقبيل ذلك فاجتبيت منه ما كان مشبها لما تقدم أو سالكا طريقه فذكرته ولم أبخسه ما يجب له وإن كان قريب العهد لأن الناس قد يتنازعون الصوت في كل حين وزمان وإن كان السبق للقدماء إلى كل إحسان
وأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني هارون بن الحسن بن سهل وأبو العبيس بن حمدون وابن دقاق وهو محمد بن أحمد بن يحيى المعروف بابن دقاق بهذا الخبر فزعم

أن الرشيد أمر هؤلاء المغنين أن يختاروا له مائة صوت فاختاروها ثم أمرهم باختيار عشرة منها فاختاروها ثم أمرهم أن يختاروا منها ثلاثة ففعلوا
وذكر نحو ما ذكره يحيى بن علي ووافقه في صوت من الثلاثة الأصوات وخالفه في صوتين وذكر يحيى بن علي بإسناده المذكور أن منها لحن معبد في شعر أبي قطيفة وهو من خفيف الثقيل الأول
( القَصْرُ فالنَّخْلُ فالجَمَّاءُ بينهما ... أَشْهى إلى القلب من أبواب جَيْرُونِ )
ولَحْنَ ابن سريج في شعر عمر بن أبي ربيعة ولحنه من الثقيل الثاني
( تَشَكَّى الكُمَيْتُ الجَرْي لمّا جَهدْتُه ... وبَيَّن لو يَسْتطيعُ أن يتكلَّما )
ولَحْن ابن محرز في شعر نصيب وهو من الثَّقيل الثاني أيضا
( أهَاجَ هواكَ المنزلُ المتقادِمُ ... نَعَمْ وبه ممّن شَجَاك مَعَالِمُ )
وذكر جحظة عمن روى عنه أن من الثلاثة الأصوات لحن ابن محرز في شعر

المجنون وهو من الثقيل الثاني
( إذا ما طَوَاكِ الدهرُ يا أُمّ مالك ... فشأنَ المنايا القاضياتِ وشانِيا )
ولحن إبراهيم الموصلي في شعر العرجي وهو من خفيف الثقيل الثاني
( إلى جَيْداء قد بَعثوا رسولاً ... ليُحْزِنَها فلا صُحِب الرسولُ )
ولحن ابن محرز في شعر نُصيَب وهو على ما ذكر هزج
( أهاج هواك المنزل المتقادمُ ... نعم وبه ممن شجاك معالمُ )
وحكي عن أصحابه أن هذه الثلاثة الأصوات على هذه الطرائق لا تبقي نغمة في الغناء إلا وهي فيها
المغنون يختارون لحن ابن محرز
أخبرني الحسن بن علي الأدمي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مَهْرُويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد قال حدثني محمد بن جبر المغني قال حدثني إبراهيم بن المهدي
أن الرشيد أمر المغنين أن يختاروا له أحسن صوت غُنِّيَ فيه فاختاروا له لحن ابن مُحرز في شعر نُصَيب
( أهاج هواك المنزل المتقادمُ ... )

قال وفيه دور كثير أي صنعة كثيرة والذي ذكره أبو أحمد يحيى بن علي أصح عندي ويدل على ذلك تباين ما بين الأصوات التي ذكرها والأصوات الأُخر في جودة الصنعة وإتقانها وإحكام مباديها ومقاطعها وما فيها من العمل وأن الأخرى ليست مثلها ولا قريبة منها وأخرى هي أن جحظة حكى عمن روى عنه أن فيها صوتا لإبراهيم الموصلي وهو أحد من كان اختار هذه الأصوات للرشيد وكان معه في اختيارها إسماعيل بن جامع وفُليح بن أبي العوراء وليس أحد منهما دونه إن لم يَفُقُه فكيف يمكن أن يقال إنهما ساعدا إبراهيم على اختيار لحن من صنعته في ثلاثة أصوات اختيرت من سائر الأغاني وفضلت عليها ألم يكونا لو فعلا ذلك قد حكما لإبراهيم على أنفسهما بالتقدم والحِذق والرياسة وليس هو كذلك عندهما
اختلاف وجهتي نظر إبراهيم بن ميمون وولده في غناء ابن جامع
ولقد أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم عن حَمّاد بن إسحاق عن أبيه
أنه أتى أباه إبراهيم بن ميمون يوما مسلِّما فقال له أبوه يا بني ما أعلم أحدا بلغ من بر ولده ما بلغته من برك وإني لأستقل ذلك لك فهل من حاجة أصير فيها إلى محبتك قلت قد كان جعلت فداك كل ما ذكرت فأطال الله لي بقاءك ولكني أسألك واحدة يموت هذا الشيخ غدا أو بعد غد ولم أسمعه فيقول الناس لي ماذا وأنا أحل منك هذا المحل قال لي ومن هو قلت ابن جامع قال صدقت يا بني أسرجوا لنا فجئنا ابن جامع فدخل عليه أبي وأنا معه فقال يا أبا القاسم قد جئتك في حاجة فإن شئت فاشتمني وإن شئت فاقذفني غير أنه لا بد لك من قضائها هذا عبدك وابن أخيك إسحاق قال لي كذا وكذا فركبت

معه أسألك أن تُسعفه فيما سأل فقال نعم على شريطة تقيمان عندي أطعمكما مَشُوشةً وقَلِيّة وأسقيكما من نبيذي التمري وأغنيكما فإن جاءنا رسول الخليفة مضينا إليه وإلا أقمنا يومنا فقال أبي السمع والطاعة وأمر بالدواب فردت فجاءنا ابن جامع بالمشوشة والقلية ونبيذه التمري فأكلنا وشربنا ثم اندفع فغنانا فنظرت إلى أبي يقل في عيني ويعظم ابن جامع حتى صار أبي في عيني كلا شيء فلما طربنا غاية الطرب جاء رسول الخليفة فركبا وركبت معهما فلما كنا في بعض الطريق قال لي أبي كيف رأيت ابن جامع يا بني قلت له أو تعفيني جعلت فداك قال لست أعفيك فقل فقلت له رأيتك ولا شيء أكبر عندي منك قد صغرت عندي في الغناء معه حتى صرت كلا شيء ثم مضينا إلى الرشيد وانصرفت إلى منزلي وذلك لأني لم أكن بعد وصلت إلى الرشيد فلما أصبحت أرسل إلي أبي فقال يا بني هذا الشتاء قد هجم عليك وأنت تحتاج فيه إلى مؤونة وإذا مال عظيم بن يديه فاصرف هذا المال في حوائجك فقمت فقبلت يده ورأسه وأمرت بحمل المال واتبعته فصوت بي يا إسحاق ارجع فرجعت فقال لي أتدري لم وهبت لك هذا المال قلت نعم جعلت فداك قال لم قلت لصدقي فيك وفي ابن جامع قال صدقت يا بني امض راشدا ولهما في هذا الجنس أخبار كثيرة تأتي في غير هذا الموضع متفرقة في أماكن تحسن فيها ولا يستغنى بما ذكر هاهنا عنها فإبراهيم يحل ابن جامع هذا المحل مع ما كان بينهما من المنافسة والمفاخرة ثم يقدم على أن يختار فيما هو معه فيه صوتا لنفسه يكون مقدما على سائر الغناء ويطابقه هو وفليح عليه خطأ لا يتخيل وعلى ما به فإنا نذكر الصوتين اللذين رويناهما عن جحظة المخالفين لرواية يحيى بن علي بعد ذكرنا ما رواه يحيى ثم نتبعهما باقي

الاختيار فأول ذلك من رواية أبي الحسن علي بن يحيى
الكلام على أحد هذه الأصوات الثلاثة

صوت فيه لحنان

( القَصْرُ فالنَّخْلُ فالجَمَّاءُ بينهما ... أَشْهَى إلى القلب من أبواب جَيْرُونِ )
( إلى البَلاطِ فما حازت قَرَائنُهُ ... دُورٌ نَزَحْن عن الفَحْشاء والهُونِ )
( قد يَكْتُم الناسُ أسراراً فأعلمُها ... ولا يَنَالون حتى الموتِ مَكْنوني )
عروضه من أول البسيط القصر الذي عناه هاهنا قصر سعيد بن العاص بالعرصة والنخل الذي عناه نخل كان لسعيد هناك بين قصره وبين الجماء وهي أرض كانت له فصار جميع ذلك لمعاوية بن أبي سفيان بعد وفاة سعيد ابتاعه من ابنه عمرو باحتمال دينه عنه ولذلك خبر يذكر بعد وأبواب جيرون بدمشق ويروى حاذت قرائنه من المحاذاة والقرائن دور كانت لبني سعيد بن العاص متلاصقة سميت بذلك لاقترانها ونزحن بعدن والنازح

البعيد يقال نزح نزوحا والهون الهوان قال الراجز
( لم يُبْتَذلْ مثلُ كريمٍ مَكْنونْ ... أبيضَ ماضٍ كالسِّنان المَسنْون )
( كان يُوَقِّي نفسَه من الهُونْ ... )
والمكنون المستور الخفي وهو مأخوذ من الكن الشعر لأبي قطيفة المعيطي والغناء لمعبد وله فيه لحنان أحدهما خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها من رواية إسحاق وهو اللحن المختار والآخر ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة

خبر أبي قطيفة ونسبه

هو عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب هذا الذي عليه النسابون
وذكر الهيثم بن عدي في كتاب المثالب أن أبا عمرو بن أمية كان عبدا لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه وذكر أن دغفلا النَّسابة دخل على معاوية فقال له من رأيت من علية قريش فقال رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس فقال صفهما لي فقال كان عبد المطلب أبيض مديد القامة حسن الوجه في جبينه نور النبوة وعز الملك يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد غاب قال فصف أمية قال رأيته شيخا قصيرا نحيف الجسم ضريرا يقوده عبده ذكوان فقال مه ذاك ابنه أبو عمرو فقال هذا شيء قلتموه بعد وأحدثتموه وأما الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به ثم نعود إلى سياقة النسب من لؤي بن

غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة والنضر عند أكثر النَّسابين أصل قريش فمن ولده النضر عد منهم ومن لم يلده فليس منهم وقال بعض نسّابي قريش بل فهر بن مالك أصل قريش فمن لم يلده فليس من قريش ثم نعود للنسب إلى النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار وولد إلياس يقال له خِنْدَفُ لهم سموا بأمهم خندف وهو لقبها واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وهي أم مدركة وطابخة وقمعة بني إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن يشجب وقيل أشجب بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم هذا النسب الذي رواه نسّابو العرب وروي عن ابن شهاب الزهري وهو من علماء قريش وفقهائها
وقال قوم آخرون من النسابين ممن أخذ فيما يزعم عن دغفل وغيره معد بن عدنان بن أدد بن آمين بن شاجيب بن نبت بن ثعلبة بن عنز بن سريج بن محلم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العقيان بن غلة بن شحدود بن الضرب بن عيفر بن إبراهيم بن إسماعيل بن رزين بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الرائد بن بدوان بن أمامة بن دوس بن حصين بن النَّزّال بن الغمير بن محشر بن معذر بن صيفي بن نبت بن قيدار بن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله صلى الله عليهما وعلى أنبيائه أجميعن وسلم تسليما ثم أجمعوا أن إبراهيم بن آزر وهو اسمه بالعربية كما ذكره

الله تعالى في كتابه وهو في التوراة بالعبرانية تارح بن ناحور وقيل الناحر بن الشارع وهو شاروع بن أرغو وهو الرامح بن فالغ وهو قاسم الأرض الذي قسمها بين أهلها بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ وهو الرافد بن سام بن نوح صلى الله عليه و سلم بن لامك وهو في لغة العرب ملكان بن المتوشلخ وهو المنوف بن أخنخ وهو إدريس نبي الله عليه السلام بن يارد وهو الرائد بن مهلايل بن قينان وهو قنان بن أنوش وهو الطاهر بن شيث وهو هبة الله ويقال له أيضا شاث بن آدم أبي البشر صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء وعلى نبينا محمد خاصة وسلم تسليما هذا الذي في أيدي الناس من النسب على اختلافهم فيه
وقد روي عن النبي تكذيب للنسابين ودفع لهم وروي أيضا خلاف لأسماء بعض الآباء وقد شرحت ذلك في كتاب النسب شرحا يستغنى به عن غيره

العنابس والأعياص

وأبو قطيفة وأهله من العنابس من بني أمية وكان لأمية من الولد أحد عشر ذكرا كل واحد منهم يكنى باسم صاحبه وهم العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص وعمرو وأبو عمرو وحرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان والعويص لا

كنى له فمنهم الأعياص فيما أخبرنا حرمي بن أبي العلاء واسمه أحمد بن محمد بن إسحاق والطوسي واسمه أحمد بن سليمان قالا حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن الضحاك الحزامي عن أبيه قال الأعياص العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص والعويص ومنهم العنابس وهم حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو وإنما سموا العنابس لأنهم ثبتوا مع أخيهم حرب بن أمية بعكاظ وعقلوا أنفسهم وقاتلوا قتالا شديدا فشبهوا بالأسد والأسد يقال لها العنابس واحدها عنبسة وفي الأعياص يقول عبد الله بن فضالة الأسدي
( مِن الأعياص أو مِن آل حربٍ ... أغَرَّ كغُرة الفرس الجَوَادِ )
والسبب في قوله هذا الشعر ما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة وحدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني وابن غزالة قالوا
أتى عبد الله بن فضالة بن شريك الوالبي ثم الأسدي من بني أسد بن خزيمة عبد الله بن الزبير فقال له نفدت نفقتي ونقبت راحلتي قال أحضرها

فأحضرها فقال أقبل بها أدبر بها ففعل فقال ارقعها بسبت واخصفها بهلب وأنجد بها يبرد خفها وسر البردين تصح فقال ابن فضالة إني أتيتك مستحملا ولم آتك مستوصفا فلعن الله ناقة حملتني إليك قال ابن الزبير إن وراكبها فانصرف عنه ابن فضالة وقال

عبد الله بن فضالة يهجو ابن الزبير

( أقول لغِلْمتي شُدُّوا ركابِي ... أُجَاوِزْ بَطْنَ مكةَ في سَوَادِ )
( فما لي حينَ أقْطَع ذات عِرْقٍ ... إلى ابن الكَاهِليَّة من مَعَاد )
( سيُبْعِدُ بينَنا نَصُّ المَطَايا ... وتعليقُ الأدَاوَى والمَزادِ )
( وكلُّ مُعَبَّدٍ قد أعْلَمْته ... مَنَاسِمُهُن طُلاَّعَ النِّجَادِ )

( أرَى الحاجاتِ عند أبي خُبَيْبٍ ... نُكِدْنَ ولا أُميَّةَ بالبلادِ )
( من الأعْياص أو من آل حربٍ ... أغرَّ كغُرَّة الفرس الجوادِ )
أبو خبيب عبد الله بن الزبير كان يكنى أبا بكر وخبيب ابن له هو أكبر ولده ولم يكن يكنيه به إلا من ذمه يجعله كاللقب له قال فقال ابن الزبير لما بلغه هذا الشعر علم أنها شر أمهاتي فعيرني بها وهي خير عماته قال اليزيدي إن هاهنا بمعنى نعم كأنه إقرار بما قال ومثله قول ابن قيس الرقيات
( ويَقُلْنَ شيَبٌ قد علاكَ ... وقد كَبِرتَ فقلتُ إنَّه )
وأم أبي معيط آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ولها يقول نابغة بني جعدة
( وشارَكْنا قريشاً في تُقاها ... وفي أنسابها شِرْكَ العِنَانِ )

( بما وَلدتْ نساءُ بني هِلاَلٍ ... وما ولدت نساءُ بني أبَانِ )
وكانت آمنة هذه تحت أمية بن عبد شمس فولدت له العاص وأبا العاص وأبا العيص والعويص وصفية وتوبة وأروى بني أمية فلما مات أمية تزوجها بعده ابنه أبو عمرو وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك يتزوج الرجل امرأة أبيه بعده فولدت له أبا معيط فكان بنو أمية من آمنة إخوة أبي معيط وعمومته أخبرني بذلك كله الطوسي عن الزبير بن بكار
قال الزبير وحدثني عمي مصعب قال زعموا أن ابنها أبا العاص زوّجها أخاه أبا عمرو وكان هذا نكاحا تنكحه الجاهلية فأنزل الله تعالى تحريمه قال الله تعالى ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) فسمي نكاح المقت

مقتل عقبة والحارث

وأسر عقبة بن أبي معيط في يوم بدر فقتله رسول الله صبرا حدثنا بذلك محمد بن جرير الطبري قال حدثنا محمد بن حميد الرازي قال حدثنا سلمة ابن الفضل عن محمد بن إسحاق في خبر ذكره طويل وحدثني به أحمد بن محمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري قالوا جميعا

قتله رسول الله صبرا فقال له وقد أمر بذلك فيه يا محمد أأنا خاصة من قريش قال نعم قال فمن للصبية بعدي قال النار فلذلك يسمى بنو أبي معيط صبية النار واختلف في قاتله فقيل إن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه تولى قتله وهذا من رواية بعض الكوفيين حدثني به أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال أخبرني المنذر بن محمد اللخمي قال حدثنا سليمان بن عباد قال حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت المدني عن أبيه عن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عليهم السلام
أن النبي أمر عليّاً يوم بدر فضرب عنق عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وروى ابن إسحاق أن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري قتله وأن الذي قتله علي بن أبي طالب عليه السلام النضر بن الحارث بن كلدة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني الحسن بن عثمان قال حدثني ابن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن أصحابه وحدثنا محمد بن جرير قال حدثنا أحمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أصحابه قالوا
قُتيلة بنت الحارث ترثي أخاها
قتل رسول الله يوم بدر عقبة بن أبي معيط صبرا أمر عاصم بن ثابت

فضرب عنقه ثم أقبل من بدر حتى إذا كان ب الصفراء قتل النضر بن الحارث بن كلدة أحد بني عبد الدار أمر عليّاً عليه السلام أن يضرب عنقه قال عمر بن شبة في حديثه ب الأُثَيل فقالت أخته قُتيلة بنت الحارث ترثيه
( يا راكباً إنّ الأُثَيْلَ مِظَنَّةٌ ... مِن صُبْحِ خامسةٍ وأنتَ مُوفَّقُ )
( أبلِغْ به مَيْتاً بأنّ تحيّةً ... ما إن تزالُ بها النجائبُ تخْفُقُ )
( مِنِّي إليكَ وعَبْرةً مسفوحةً ... جادتْ بِدرَّتها وأخرى تَخْنَقُ )
( هل يسمَعَنَّ النضرُ إن ناديتُه ... إن كان يسمعُ هالكٌ لا يَنطِقُ )
( ظَلّتْ سيوفُ بني أبيهِ تنوشُه ... للهِ أرحامٌ هناكَ تُشَقَّقُ )
( صبراً يُقادُ إلى المنيّة متُعَباً ... رَسْفَ المقيَّدِ وهو عانٍ مُوثَقُ )

( أمُحمدٌ ولأنتَ نَسْلُ نَجِيبةٍ ... في قومها والفحلُ فَحلٌ مُعْرِقُ )
( ما كان ضرّكَ لو مَنَنْتَ وربّما ... مَنَّ الفتى وهو المَغيظُ المُحْنَقُ )
( أوْ كُنتَ قابلَ فديةٍ فَليأْتِينْ ... بأعزِّ ما يَغْلو لديكَ ويَنفُقُ )
( والنضرُ أقربُ مَنْ أخذتَ بِزَلّةٍ ... وأحقُّهم إن كان عِتقٌ يُعْتَقُ )
فبلغنا أن النبي قال لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته فيقال إن شعرها أكرم شعر موتورة وأعفه وأكفه وأحلمه قال ابن إسحاق وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أن رسول الله لما كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط قال حين أمر به أن يقتل فمن للصبية يا محمد قال النار فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أحد بني عمرو بن عوف
حدثني أحمد بن الجعد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأدمي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثني الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي قال حدثني عروة بن الزبير قال
سألت عبد الله بن عمرو فقلت أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله فقال بينا رسول الله يصلي في حجر الكعبة إذا أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله

فخنقه به خنقا شديدا فأقبل أبو بكر رحمة الله عليه حتى أخذ بمنكبه فدفعه عن رسول الله وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله

الوليد بن عقبة يتولى الكوفة

وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان بن عفان لأمه أمهما أروى بنت عامر بن كريز وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف والبيضاء وعبد الله أبو رسول الله توءمان وكان عقبة بن أبي معيط تزوج أروى بعد وفاة عفان فولدت له الوليد وخالدا وعمارة وأم كلثوم كل هؤلاء أخوه عثمان لأمه وولى عثمان الوليد بن عقبة في خلافته الكوفة فشرب الخمر وصلى بالناس وهو سكران فزاد في الصلاة وشهد عليه بذلك عند عثمان فجلده الحد وسيأتي خبره بعد هذا في موضعه
وأبو قطيفة عمرو بن الوليد يكنى أبا الوليد وأبو قطيفة لقبٌ لُقِّب به وأمه بنت الربيع بن ذي الخمار من بني أسد بن خزيمة
وقال أبو قطيفة هذا الشعر حين نفاه ابن الزبير مع بني أمية عن المدينة مع نظائر له تشوقا إليها حدثني بالسبب في ذلك أحمد بن محمد بن شبيب بن أبي شيبة البزار قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائنيّ وأخبرني ببعضه أحمد بن محمد بن الجعد قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثني أبي قال

حدثني وهب بن جرير عن أبيه في كتابه المسمى كتاب الأزارقة ونسخت بعضه من كتاب منسوب إلى الهيثم بن عدي واللفظ للمدائنيّ في الخبر ما اتسق فإذا انقطع أو اختلف نسبت الخلاف إلى راويه قال الهيثم بن عدي أخبرنا ابن عياش عن مجالد عن الشعبي وعن ابن أبي الجهم ومحمد بن المنتشر

خروج ابن الزبير على بني أمية

أن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه وعلى أبيه السلام لما سار إلى العراق شمر ابن الزبير للأمر الذي أراده ولبس المعافري وشبر بطنه وقال إنما بطني شِبْرٌ وما عسى أن يسع الشّبرُ وجعل يظهر عيب بني أمية ويدعو إلى خلافهم فأمهله يزيد سنة ثم بعث إليه عشرة من أهل الشام عليهم النعمان بن بشير وكان أهل الشام يسمون أولئك العشرة النفر الركب منهم عبد الله بن عضاه الأشعري وروح بن زنباع الجذامي وسعد بن حمزة الهَمْدانيّ ومالك ابن هبيرة السكوني وأبو كبشة السكسكي وزمل بن عمرو العذري وعبد الله بن مسعود وقيل ابن مسعدة الفزاري وأخوه عبد الرحمن وشريك بن عبد الله

الكناني وعبد الله بن عامر الهمداني وجعل عليهم النعمان بن بشير فأقبلوا حتى قدموا مكة على عبد الله بن الزبير وكان النعمان يخلو به في الحجر كثيرا فقال له عبد الله بن عضاه يوما يابن الزبير إن هذا الأنصاري والله ما أمر بشيء إلا وقد أمرنا بمثله إلا أنه قد أمر علينا إني والله ما أدري ما بين المهاجرين والأنصار فقال ابن الزبير يابن عضاه مالي ولك إنما أنا بمنزلة حمامة من حمام مكة أفكنت قاتلا حماما من حمام مكة قال نعم وما حرمة حمام مكة يا غلام ائتني بقوسي وأسهمي فأتاه بقوسه وأسهمه فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثم سدده نحو حمامة من حمام المسجد وقال يا حمامة أيشرب يزيد بن معاوية الخمر قولي نعم فوالله لئن فعلت لأرمينك يا حمامة أتخلعين يزيد بن معاوية وتفارقين أمة محمد وتقيمين في الحرم حتى يستحل بك والله لئن فعلت لأرمينك فقال ابن الزبير ويحك أو يتكلم الطائر قال لا ولكنك يا بن الزبير تتكلم أقسم بالله لتبايعن طائعا أو مكرها أو لتتعرفن راية الأشعريين في هذه البطحاء ثم لا أعظم من حقها ما تعظم فقال ابن الزبير أو تستحل الحرم قال إنما يستحله من ألحد فيه فحبسهم شهرا ثم ردهم إلى يزيد بن معاوية ولم يجبه إلى شيء وفي رواية أحمد بن الجعد وقال بعض الشعراء وهو أبو العباس الأعمى واسمه السائب بن فروخ يذكر ذلك وشبر ابن الزبير بطنه
( ما زال في سُورة الأعراف يدرسُها ... حتى بدا ليَ مثلَ الخزِّ في الليِّن )
( لو كان بطنُكَ شِبْراً قد شَبِعتَ وقد ... أفْضلتَ فضلاً كثيراً للمساكين )
قال الهيثم ثم إن ابن الزبير مضى إلى صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله

ابن عمر فذكر لها أن خروجه كان غضبا لله تعالى ورسوله والمهاجرين والأنصار من أثرة معاوية وابنه وأهله بالفيء وسألها مسألته أن يبايعه فلما قدمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير واجتهاده وأثنت عليه وقالت ما يدعو إلا إلى طاعة الله جل وعز وأكثرت القول في ذلك فقال لها أما رأيت بغلات معاوية اللواتي كان يحج عليهن الشهب فإن ابن الزبير ما يريد غيرهن قال المدائنيّ في خبره وأقام ابن الزبير على خلع يزيد ومالأه على ذلك أكثر الناس فدخل عليه عبد الله بن مطيع وعبد الله بن حنظلة وأهل المدينة المسجد وأتوا المنبر فخلعوا يزيد فقال عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي خلعت يزيد كما خلعت عمامتي ونزعها عن رأسه وقال إني لأقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي ولكن عدو الله سكير خمير وقال آخر خلعته كما خلعت نعلي وقال آخر خلعته كما خلعت ثوبي وقال آخر قد خلعته كما خلعت خفي حتى كثرت العمائم والنعال والخفاف وأظهروا البراءة منه وأجمعوا على ذلك وامتنع منه عبد الله بن عمر ومحمد بن علي بن أبي طالب عليهما السلام وجرى بين محمد خاصة وبين أصحاب ابن الزبير فيه

قول كثير حتى أرادوا إكراهه على ذلك فخرج إلى مكة وكان هذا أول ما هاج الشر بينه وبين ابن الزبير

وقعة الحرة

قال المدائني واجتمع أهل المدينة لإخراج بني أمية عنها فأَخذوا عليهم العهود ألا يعينوا عليهم الجيش وأن يردوهم عنهم فإن لم يقدروا على ردهم لا يرجعوا إلى المدينة معهم فقال لهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان أنشدكم الله في دمائكم وطاعتكم فإن الجنود تأتيكم وتطؤكم وأعذر لكم ألا تخرجوا أميركم إنكم إن ظفرتم وأنا مقيم بين أظهركم فما أيسر شأني وأقدركم على إخراجي وما أقول هذا إلا نظرا لكم أريد به حقن دمائكم فشتموه وشتموا يزيد وقالوا لا نبدأ إلا بك ثم نخرجهم بعدك فأتى مروان عبد الله بن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن إن هؤلاء القوم قد ركبونا بما ترى فضم عيالنا فقال لست من أمركم وأمر هؤلاء في شيء فقام مروان وهو يقول قبح الله هذا أمرا وهذا دينا ثم أتى علي بن الحسين عليهما السلام فسأله أن يضم أهله وثقله ففعل ووجههم وامرأته أم أبان بنت عثمان إلى الطائف ومعها ابناه عبد الله ومحمد فعرض حريث رقاصة وهو مولى لبني بهز من سليم كان بعض عمال المدينة قطع رجله فكان إذا مشى كأنه يرقص فسمي رقاصة لثقل مروان وفيه أم عاصم بنت عاصم

ابن عمر بن الخطاب فضربته بعصا فكادت تدق عنقه فولى ومضى ومضوا إلى الطائف وأخرجوا بني أمية فحس بهم سليمان بن أبي الجهم العدوي وحريث رقاصة فأراد مروان أن يصلي بمن معه فمنعوه وقالوا لا يصلي والله بالناس أبدا ولكن إن أراد أن يصلي بأهله فليصل فصلى بهم ومضى فمر مروان بعبد الرحمن بن أزهر الزهري فقال له هلم إلي يا أبا عبد الملك فلا يصل إليك مكروه ما بقي رجل من بني زهرة فقال له وصلتك رحم قومنا على أمر فأكره أن أعرضك لهم وقال ابن عمر بعد ذلك لما أخرجوا وندم على ما كان قاله لمروان لو وجدت سبيلا إلى نصر هؤلاء لفعلت فقد ظلموا وبغي عليهم فقال ابنه سالم لو كلمت هؤلاء القوم فقال يا بني لا ينزع هؤلاء القوم عما هم عليه وهم بعين الله إن أراد أن يغير غير قال فمضوا إلى ذي خشب وفيهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان والوليد بن عتبة بن أبي سفيان واتبعهم العبيد والصبيان والسفلة يرمونهم ثم رجع حريث رقاصة وأصحابه إلى المدينة وأقامت بنو أمية ب ذي خُشُب عشرة أيام وسرحوا حبيب بن كرة إلى يزيد بن معاوية يعلمونه وكتبوا إليه يسألونه الغوث وبلغ أهل المدينة أنهم وجهوا رجلا إلى يزيد فخرج محمد بن عمرو بن حزم ورجل من بني سليم من بهز وحريث رقاصة وخمسون راكبا فأزعجوا بني أمية منها فنخس حريث بمروان فكاد يسقط عن ناقته فتأخر عنها وزجرها وقال اعلي واسلمي فلما كانوا بالسويداء عرض لهم مولى لمروان فقال جعلت فداك لو نزلت فأرحت وتغديت فالغداء حاضر كثير قد أدرك فقال لا يدعني رقاصة وأشباهه وعسى أن يمكن الله منه

فتقطع يده ونظر مروان إلى ماله ب ذي خُشُب فقال لا مال إلا ما أحرزته العياب فمضوا فنزلوا حقيلا أو وادي القرى وفي ذلك يقول الأحوص
( لا تَرْثِيَنَّ لحَزْمِيٍّ رأيتَ به ... ضُرّاً ولو سقَط الحزميُّ في النارِ )
( الناخسين بمَرْوانٍ بذي خُشُبٍ ... والمُقْحِمِينَ على عثمانَ في الدارِ )
قال المدائني فدخل حبيب بن كرة على يزيد وهو واضع رجله في طست لوجع كان يجده بكتاب بني أمية وأخبره الخبر فقال أما كان بنو أمية ومواليهم ألف رجل قال بلى وثلاثة آلاف قال أفعجزوا أن يقاتلوا ساعة من نهار قال كثرهم الناس ولم تكن لهم بهم طاقة فندب الناس وأمر عليهم صخر بن أبي الجهم القيني فمات قبل أن يخرج الجيش فأمر مسلم بن عقبة الذي يسمى مسرفا قال وقال ليزيد ما كنت مرسلا إلى المدينة أحدا إلا قصر وما صاحبهم غيري إني رأيت في منامي شجرة غرقد تصيح على يدي مسلم فأقبلت

نحو الصوت فسمعت قائلا يقول أدرك ثأرك أهل المدينة قتلة عثمان فخرج مسلم وكان من قصة الحرة ما كان على يده وليس هذا موضعه فقال أبو قطيفة في ذلك لما أخرجوا عن المدينة

حنين أبي قطيفة إلى المدينة وأهلها

صوت من غير المائة فيه لحنان

( بَكَى أُحُدٌ لمّا تحمَّل أهلُه ... فكيفَ بذي وَجْدٍ من القوم آلِفِ )
( من اْجل أبي بَكْرٍ جَلَتْ عن بلادها ... أُميَّةُ والأيّامُ ذاتُ تَصَارِفِ )
عروضه من الطويل وفيه ثقيل أول والغناء لسائب خاثر خفيف ثقيل أول بالوسطى ذكر ذلك حماد عن أبيه وذكر أن فيه لحنا آخر لأهل المدينة لا يعرف صاحبه قال الهيثم في خبره وقال أبو العباس الأعمى في ذلك
( قد حَلَّ في دار البَلاَطِ مُجَوّعٌ ... ودارِ أبي العَاصِ التَّميميُّ حَنْتَفُ )
( فلم أرَ مثلَ الحيّ حين تحمَّلوا ... ولا مثلَنا عن مثلِهم يَتَنكَّفُ )

وقال أبو قطيفة أيضا

صوت من غير المائة فيه ثلاثة ألحان

( بَكَى أحُدُ لمّا تحمَّل أهلُه ... فسَلْعٌ فدارُ المال أمستْ تصَدَّعُ )
( وبالشام إخواني وجُلُّ عَشِيرتي ... فقد جَعَلتْ نفسِي إليهم تَطَلَّعُ )
عروضه من الطويل غنى فيه دحمان ولحنه ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق وفيه لمعبد ثقيل أول بالوسطى من رواية حبش وذكر إسحاق أن فيه لحنا فيه خفيف الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر مجهول الصانع وقال أبو قطيفة أيضا

صوت من غير المائة المختارة

( ليتَ شِعْري هَلِ البَلاَطُ كعهْدي ... والمُصَلَّى إلى قصور العَقِيق )
( لاَمَنِي في هَواكِ يا أُمَّ يحيى ... من مُبِينٍ بغشِّه أو صَدِيقِ )
عروضه من الخفيف غناه معبد ويقال دحمان ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى وذكر إسحاق أنه لا يعرف صاحبه

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن يونس بن الوليد قال
كان ابن الزبير قد نفى أبا قطيفة مع من نفاه من بني أمية عن المدينة إلى الشأم فلما طال مقامه بها
( ألا ليتَ شِعْرِي هل تغير بعدَنا ... قُبَاءٌ وهل زَالَ العقِيقُ وحاضِرُهْ )
( وهل بَرِحَتْ بَطْحَاء قبرِ محمدٍ ... أراهِطُ غُرٌّ من قُريشٍ تُباكِرُهْ )
( لهم منتَهى حُبِّي وصَفْوُ مودَّتي ... ومَحْضُ الهَوَى منِّي وللناسِ سائرُهْ )
قال وقال أيضا
صوت من غير المائة المختارة
( ليتَ شِعْرِي وأينَ منّيَ لَيْتٌ ... أعَلَى العَهْد يَلْبَنٌ فبَرامُ )
( أم كعَهْدِي العَقيقُ أم غيَّرْتُه ... بَعْدِيَ الحادثاتُ والأيَّامُ )
( وبأهلي بُدِّلْتُ عَكّاً ولخماً ... وجُذَاماً وأينَ منِّي جُذَامُ )
( وتبدَّلْتُ مِنْ مساكنِ قَوْمِي ... والقُصُورِ التي بها الآطَامُ )
( كلَّ قَصْرٍ مُشَيَّدٍ ذي أَوَاسٍ ... يتغنَّى على ذُرَاهُ الحَمَامُ )
( اقْرَ مِنِّي السَّلامَ إن جئت قومي ... وقليلٌ لهمْ لَديّ السلامُ )

عروضه من الخفيف غناه معبد ولحنه ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر ويَلْبَنُ وبَرامُ موضعان والآطام جمع أطم وهي القصور والحصون وقال الأصمعي الآطام الدور المسطحة السقوف وفي رواية ابن عمار ذي أواش بالشين معجمة كأنه أراد به أن هذه القصور موشية أي منقوشة ورواه إسحاق أواس بالسين غير معجمة وقال واحدها آسي وهو الأصل قال ويقال فلان في آسيه أي في أصله والآسي والأساس واحد وذرا كل شيء أعاليه وهو جمع واحدته ذروة ويروى
( أبْلِغَنَّ السَّلامَ إن جئتَ قَوْمِي ... )
وروى الزبير بن بكار هذه الأبيات لأبي قطيفة وزاد فيها
( أَقْطَعُ الليلَ كلَّه باكتئابٍ ... وزَفِيرٍ فما أكادُ أنَامُ )
( نحوَ قَوْمي إذ فرَّقَتْ بيننا الدارُ ... وحادتْ عن قَصْدها الأحلامُ )
( خشيةً أن يُصيبَهم عنتُ الدّهر ... وحربٌ يَشِيبُ منها الغلامُ )
( فلقدْ حانَ أن يكونَ لهذا الدَّهر ... عنَّا تباعُدٌ واْنْصِرَامُ )

ابن الزبير يعفو عن أبي قطيفة

رجع الخبر إلى سياقته من رواية ابن عمار وأخبرنا بمثله من هذا الموضع الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الحزامي وهو إبراهيم بن المنذر عن مطرفْ بن عبد الله المدني قالا إن ابن الزبير لما بلغه شعر أبي قطيفة هذا قال حنَّ والله أبو قطيفة وعليه السلام ورحمة الله من لقيه فليخبره أنه آمن

فليرجع فأخبر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعا فلم يصل إليها حتى مات قال ابن عمار فحدثت عن المدائنيّ أن امرأة من أهل المدينة تزوجها رجل من أهل الشام فخرج بها إلى بلده على كره منها فسمعت منشدا ينشد شعر أبي قطيفة هذا فشهقت شهقة وخرت على وجهها ميتة هكذا ذكر ابن عمار في خبره
وأخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي عن أيوب بن عباية قال قال حدثني سعيد بن عائشة مولى آل المطلب بن عبد مناف قال
خرجت امرأة من بني زهرة في خف فرآها رجل من بني عبد شمس من أهل الشام فأعجبته فسأل عنها فنسبت له فخطبها إلى أهلها فزوجوه إياها بكره منها فخرج بها إلى الشام وخرجت مخرجا فسمعت متمثلا يقول

صوت من غير المائة المختارة

( ألا ليتَ شعرِي هل تغيَّر بعدنا ... جَبُوبُ المصلَّى أم كعهْدي القرائنُ )
( وهل أَدْؤُرٌ حولَ البلاط عَوَامِرٌ ... من الحَيِّ أم هل بالمدينة ساكنُ )
( إذا برقَتْ نحوَ الحِجاز سحابةٌ ... دعا الشوق منِّي برقُها المتيامِنُ )
( فلَمْ أتْرُكْنها رغْبةً عن بلادها ... ولكنَّه ما قدَّر اللهُ كائنُ )
عروضه من الطويل يقال إن لمعبد فيه لحنا قال فتنفست بين النساء فوقعت ميتة قال أيوب فحدثت بهذا الحديث عبد العزيز بن أبي ثابت الأعرج فقال أتعرفها قلت لا قال هي والله عمتي حميدة بنت عمر بن عبد الرحمن بن عوف

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال أخبرني ابن عائشة قال لما أجلى ابن الزبير بني أمية عن الحجاز قال أيمن بن خريم الأسدي
( كأنّ بني أُميّةَ يومَ رَاحُوا ... وعُرِّي عن منازلهم صِرَارُ )
( شَمَارِيخُ الجبالِ إذا تردَّتْ ... بزينتها وجادَتْها القِطَارُ )
وأخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال
كتب أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة إلى أبيه وهو متولي الكوفة لعثمان بن عفان
( مَنْ مُبْلِغٌ عنِّي الأميرَ بأنني ... أرِقٌ بلا داء سوَى الإِنْعاظِ )
( إن لم تُغِثْني خِفْتُ إثمَك أو أرَى ... في الدار محدوداً بزُرْقِ لِحَاظِ )

يعني دار عثمان التي تقام فيها الحدود فابتاع له جارية بالكوفة وبعث بها إليه
أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا الخراز عن المدائنيّ قال
كان أبو قطيفة من شعراء قريش وكان ممن نفاه ابن الزبير مع بني أمية إلى الشام فقال في ذلك
( وما أَحْرَجتْنا رغْبةٌ عن بلادنا ... ولكنَّه ما قدَّر اللهُ كائنُ )
( أَحِنُّ إلى تلك الوجوه صَبَابةً ... كأنّي أسيرٌ في السَّلاسِل راهنُ )
وكان يتحرق على المدينة فأتى عباد بن زياد ذات يوم عبد الملك فقال له إن خاله أخبره أن العراقين قد فتحا فقال عبد الملك لأبي قطيفة لما يعلمه من حبه المدينة أما تسمع ما يقوله عباد عن خاله قد طابت لك المدينة الآن فقال أبو قطيفة
( إنِّي لأَحْمَقُ مَنْ يَمْشِي على قَدَمٍ ... إن غَرَّنِي من حياتي خالُ عَبَّاد )
( أَنْشَا يقول لنا المِصْرانِ قد فُتِحا ... ودونَ ذلك يومٌ شَرُّهُ بَادِي )
قال وأذِنَ له ابن الزبير في الرجوع فرجع فمات في طريقه

وصية سعيد بن العاص

وأما خبر القصر الذي تقدم ذكره وبيعه من معاوية فأخبرني الحسين بن

يحيى عن حماد عن أبيه قال ذكر مصعب بن عمار بن مصعب بن عروة بن الزبير
أن سعيد بن العاص لما حضرته الوفاة وهو في قصره هذا قال له ابنه عمرو لو نزلت إلى المدينة فقال يا بني إن قومي لن يضنوا علي بأن يحملوني على رقابهم ساعة من نهار وإذا أنا مت فآذنهم فإذا واريتني فانطلق إلى معاوية فانعني له وانظر في ديني واعلم أنه سيعرض عليك قضاءه فلا تفعل واعرض عليه قصري هذا فإني إنما اتخذته نزهة وليس بمال فلما مات آذن به الناس فحملوه من قصره حتى دفن بالبقيع ورواحل عمرو بن سعيد مناخة فعزاه الناس على قبره وودعوه فكان هو أول من نعاه لمعاوية فتوجع له وترحم عليه ثم قال هل ترك دينا قال نعم قال كم هو قال ثلثمائة ألف درهم قال هي علي قال قد ظن ذلك وأمرني ألا أقبله منك وأن أعرض عليك بعض ماله فتبتاعه فيكون قضاء دينه منه قال فاعرض علي قال قصره بالعرصة قال قد أخذته بدينه قال هو لك على أن تحملها إلى المدينة وتجعلها بالوافية قال نعم فحملها له إلى المدينة وفرقها في غرمائه وكان أكثرها عدات فأتاه شاب من قريش بصك فيه عشرون ألف درهم بشهادة سعيد على نفسه وشهادة مولى له عليه فأرسل إلى المولى فاقرأه الصك فلما قرأه بكى وقال نعم هذا خطه وهذه شهادتي عليه فقال له عمرو من أين يكون لهذا الفتى عليه عشرون ألف درهم وإنما هو صعلوك من صعاليك قريش قال أخبرك عنه مرسعيد بعد عزله فاعترض له هذا الفتى ومشى معه حتى صار إلى منزله فوقف له سعيد فقال ألك حاجة قال لا إلا أني رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل جناحك فقال لي ائتني بصحيفة فأتيته بهذه فكتب له على نفسه هذا الدين

وقال إنك لم تصادف عندنا شيئا فخذ هذا فإذا جاءنا شيء فأتنا فقال عمرو لا جرم والله لا يأخذها إلا بالوافية أعطه إياها فدفع إليه عشرين ألف درهم وافية
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الصلت بن مسعود قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا هارون المدائني قال
كان الرجل يأتي سعيد بن العاص يسأله فلا يكون عنده فيقول ما عندي ولكن اكتب علي به فيكتب عليه كتابا فيقول تروني أخذت منه ثمن هذا لا ولكنه يجيء فيسألني فينزو دم وجهه في وجهي فأكره رده فأتاه مولى لقريش بابن مولاه وهو غلام فقال إن أبا هذا قد هلك وقد أردنا تزويجه فقال ما عندي ولكن خذ ما شئت في أمانتي فلما مات سعيد بن العاص جاء الرجل إلى عمرو بن سعيد فقال إني أتيت أباك بابن فلان وأخبره بالقصة فقال له عمرو فكم أخذت قال عشرة آلاف فأقبل عمرو على القوم فقال من رأى أعجز من هذا يقول له سعيد خذ ما شئت في أمانتي فيأخذ عشرة آلاف لو أخذت مائة ألف لأديتها عنك

أبو قطيفة يهجو عبد الملك بن مروان

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن ابن الكلبي قال
قال أبو قطيفة وكانت أمه وأم خالد بن الوليد بن عقبة عمة أروى بنت أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب

( أنا اْبن أبي مُعَيْطٍ حينَ أُنْمى ... لأكرَمِ ضِئْضىءٍ وأعزِّ جِيِلِ )
( وأُنْمَى للعَقائل من قُصَيٍّ ... وَمَخْزُومٍ فما أنا بالضَّئِيل )
( وأرْوَى من كُرَيْزٍ قد نَمتْنِي ... وأّرْوَى الخيرِ بنتُ أبي عَقِيلِ )
( كِلاَ الحَيَّيْن من هذا وهذا ... لعمرُ أبيك في الشَّرَفِ الطويلِ )
( فعدِّدْ مثلَهن أبا ذُبَابٍ ... ليَعْلَمَ ما تقولُ ذوو العقولِ )
( فما الزَّرْقاءُ لي أُمّاً فأَخْزَى ... ولا لِيَ في الأَزارقِ مِنْ سبيلِ )
قال يعني بأبي الذباب عبد الملك والزرقاء إحدى أمهاته من كندة وكان يعير بها
أخبرني الحسن بن علي قال أخبرني محمد بن زكريا قال حدثنا قعنب بن المحرز قال حدثنا المدائني قال
بلغ أبا قطيفة أن عبد الملك بن مروان يتنقصه فقال
( نُبِّئْتُ أنّ اْبنَ العَمَلَّس عابَنِي ... ومَنْ ذامن الناس البَريءُ المسلَّمُ )
( مَن أنتمْ من انتم خبِّرونا مَنَ أنتُم ... فقد جَعَلتْ أشياء تبدو وتُكْتَم )
فبلغ ذلك عبد الملك فقال ما ظننت أنا نجهل والله لولا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم ولقطعت جلده بالسياط
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن العتبي قال

طلق أبو قطيفة امرأته فتزوجها رجل من أهل العراق ثم ندم بعد أن رحل بها الرجل وصارت له فقال
( فيا أسَفَا لفُرْقة أُمّ عمرو ... ورِحْلةِ أهلِها نحوَ العِرَاقِ )
( فليس إلى زيارتها سبيلٌ ... ولا حتَّى القيامةِ من تَلاَقِي )
( وَعَلَّ اللهَ يَرْجِعُها إلينا ... بموتٍ من حَلِيلٍ أو طلاق )
( فأَرْجِع شامتاً وتَقَرَّ عيني ... ويُجْمَعَ شملُنا بعدَ اْفتراق )

مقتل سعيد بن عثمان

أخبرني عمي ومحمد بن جعفر قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا محمد بن علي بن أبي حسان عن هشام بن محمد عن خالد بن سعيد عن أبيه قال
استعمل معاوية سعيد بن عثمان على خُراسان فلما عزله قدم المدينة بمال وسلاح وثلاثين عبدا من السغد فأمرهم أن يبنوا له دارا فبينا هو جالس فيها ومعه ابن سيحان وابن زينة وخالد بن عقبة وأبو قطيفة إذ تآمروا بينهم فقتلوه فقال أبو قطيفة يرثيه وقيل إنها لخالد بن عقبة
( يا عينُ جُودِي بدمعٍ منكِ تَهْتَانَا ... وابْكي سعيدَ بنَ عثمانَ بنِ عفّانا )
( إن ابنَ زينَةَ لم تَصْدُقْ مودّتُه ... وفرّ عنه ابنُ أَرْطَاةَ بنِ سَيْحَانَا )

ذكر معبد وبعض أخباره

هو معبد بن وهب وقيل ابن قطني مولى ابن قطر وقيل ابن قطن مولى العاص بن وابصة المخزومي وقيل بل مولى معاوية بن أبي سفيان
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال معبد المغني ابن وهب مولى عبد الرحمن بن قطر
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال قال ابن الكلبي معبد مولى ابن قطر والقطريون موالي معاوية بن أبي سفيان
وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان قال معبد بن وهب مولى ابن قطن وهم موالي آل وابصة من بني مخزوم وكان أبوه أسود وكان هو خلاسيا مديد القامة أحول
وذكر ابن خُرْداذبه أنه غنى في أول دولة بني أمية وأدرك دولة بني العباس وقد أصابه الفالج وارتعش وبطل فكان إذا غنى يضحك منه ويهزأ به وابن خُرْدَاذْبَه قليل التصحيح لما يرويه ويضمنه كتبه والصحيح أن معبدا مات في أيام

الوليد بن يزيد بدمشق وهو عنده وقد قيل إنه أصابه الفالج قبل موته وارتعش وبطل صوته فأما إدراكه دولة بني العباس فلم يروه أحد سوى ابن خُرْدَاذْبه ولا قاله ولا رواه عن أحد وإنما جاء به مجازفة

سلامة القس ترثي معبدا

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أيوب ابن عمر أبو سلمة المديني قال حدثنا عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال حدثني كردم بن معبد المغني مولى ابن قطن قال
مات أبي وهو في عسكر الوليد بن يزيد وأنا معه فنظرت حين أُخْرِجَ نعشه إلى سلامة القس جارية يزيد بن عبد الملك وقد أضرب الناس عنه ينظرون إليها وهي آخذة بعمود السرير وهي تبكي أبي وتقول
( قد لَعَمْرِي بِتُّ لَيْلي ... كأخي الدّاءِ الوَجيعِ )
( ونِجَيُّ الهَمِّ منِّي ... بات أدنى من ضَجيِعِي )
( كُلَّما أبصرتُ ربعاً ... خالياً فاضتْ دموعي )
( قد خَلاَ من سَيِّدٍ كان ... لنا غيرَ مُضِيعِ )

( لا تَلُمْنا إن خَشَعْنا ... أو هَمَمْنا بخُشُوع )
قال كردم وكان يزيد أمر أبي أن يعلمها هذا الصوت فعلمها إياه فندبته به يومئذ قال فلقد رأيت الوليد بن يزيد والغمر أخاه متجردين في قميصين ورداءين يمشيان بين يدي سريره حتى أخرج من دار الوليد لأنه تولى أمره وأخرجه من داره إلى موضع قبره
فأما نسبة هذا الصوت فإن الشعر للأحوص والغناء لمعبد ذكره يونس ولم يجنسه وذكر الهشامي أنه ثاني ثقيل بالوسطى قال وفيه لحبابة خفيف ثقيل ولابن المكي ثقيل أول نشيد وفيه لسلامة القس عن إسحاق لحن من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالوسطى في مجراها
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال قال أبو عبيدة
ذكر مولى لآل الزبير وكان منقطعا إلى جعفر ومحمد ابني سليمان بن علي أن معبدا عاش حتى كبر وانقطع صوته فدعاه رجل من ولد عثمان فلما غنى الشيخ لم يطرب القوم وكان فيهم فتيان نزول من ولد أسيد بن أبي العيص بن أمية فضحكوا منه وهزئوا به فأنشأ يغني
( فضَحْتم قريشاً بالفِرار وأنتمُ ... قُمُدُّونَ سُودَانٌ عِظَامُ المَنَاكِبِ )
( فأمّا القتالُ لا قتالَ لديكمُ ... ولكنَّ سيراً في عِرَاضِ المَوَاكِبِ )

وهذا شعر هجوا به قديما فقاموا إليه ليتناولوه فمنعهم العثماني من ذلك وقال ضحكتم منه حتى إذا أحفظتموه أردتم أن تتناولوه لا والله لا يكون ذلك قال إسحاق فحدثني ابن سلام قال أخبرني من رآه على هذه الحال فقال له أصرت إلى ما أرى فأشار إلى حلقه وقال إنما كان هذا فلما ذهب ذهب كل شيء

معبد أمير الغناء

قال إسحاق كان معبد من أحسن الناس غناء وأجودهم صنعة وأحسنهم حلقا وهو فحل المغنين وإمام أهل المدينة في الغناء وأخذ عن سائب خاثر ونشيط مولى عبد الله بن جعفر وعن جميلة مولاة بهز بطن من سليم وكان زوجها مولى لبني الحارث بن الخزرج فقيل لها مولاة الأنصار لذلك وفي معبد يقول الشاعر
( أجاد طُوَيْسٌ والسُّرَيْجيُّ بعدَه ... وما قَصَبَاتُ السَّبْقِ إلا لمَعْبَدِ )
قال إسحاق قال ابن الكلبي عن أبيه كان ابن أبي عتيق خرج إلى مكة فجاء معه ابن سريج إلى المدينة فأسمعوه غناء معبد وهو غلام وذلك في أيام مسلم بن عقبة المري وقالوا ما تقول فيه فقال إن عاش كان مغني بلاده ولمعبد صنعة لم يسبقه إليها من تقدم ولا زاد عليه فيها من تأخر وكانت صناعته التجارة في أكثر أيام رقه وربما رعى الغنم لمواليه وهو مع ذلك يختلف إلى نشيط

الفارسي وسائب خاثر مولى عبد الله بن جعفر حتى اشتهر بالحذق وحسن الغناء وطيب الصوت وصنع الألحان فأجاد واعترف له بالتقدم على أهل عصره
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي
قال الجمحي بلغني أن معبدا قال والله لقد صنعت ألحانا لا يقدر شبعان ممتلىء ولا سقاء يحمل قربة على الترنم بها ولقد صنعت ألحانا لا يقدر المتكىء أن يترنم بها حتى يقعد مستوفزا ولا القاعد حتى يقوم
قال إسحاق وبلغني أن معبدا أتى ابن سريج وابن سريج لا يعرفه فسمع منه ما شاء ثم عرض نفسه عليه وغناه وقال له كيف كنت تسمع جعلت فداءك فقال له لو شئت كنت قد كفيت بنفسك الطلب من غيرك قال وسمعت من لا أحصي من أهل العلم بالغناء يقولون لم يكن فيمن غنى أحد أعلم بالغناء من معبد قال وحدثني أيوب بن عباية قال دخلت على الحسن بن مسلم أبي العراقيب وعنده جاريته عاتكة فتحدث فذكر معبدا فقال أدركته يلبس ثوبين ممشقين وكان إذا غنى علا منخراه فقالت عاتكة يا سيدي أو أدركت معبدا قال إي والله وأقدم من معبد فقالت استحييت لك من هذا الكبر
أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد قرأت على أبي أخبرني محمد بن سلام قال حدثني جرير قال قال معبد قدمت مكة فقيل لي إن ابن صفوان قد سبق بين المغنين جائزة فأتيت بابه فطلبت الدخول فقال لي

آذنه قد تقدم إلي ألا آذن لأحد عليه ولا أؤذنه به قال فقلت دعني أدنو من الباب فأغني صوتا قال أما هذا فنعم فدنوت من الباب فغنيت صوتا فقالوا معبد وفتحوا لي فأخذت الجائزة يومئذ
أخبرني الحسين قال نسخت من كتاب حماد قال أبي وذكر عورك وهو الحسن بن عتبة اللهبي أن الوليد بن يزيد كان يقول ما أقدر على الحج فقيل له وكيف ذاك قال يستقبلني أهل المدينة بصوتي معبد
( القصرُ فالنخلُ فالجَمَّاءُ بينهما ... )
وقتيلة يعني حنه
( يوم تُبْدِي لنا قُتَيْلةُ عن جِيدٍ ... تَلِيعٍ تزينُه الأطْواقُ )

كيف يغني معبد

قال إسحاق قيل لمعبد كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء قال أرتحل قعودي وأوقع بالقضيب على رحلي وأترنم عليه بالشعر حتى يستوي لي الصوت فقيل له ما أبين ذلك في غنائك

قال إسحاق وقال مصعب الزبيري قال يحيى بن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير حدثني أبي قال
قال معبد كنت غلاما مملوكا لآل قطن مولى بني مخزوم وكنت أتلقى الغنم بظهر الحرة وكانوا تجارا أعالج لهم التجارة في ذلك فآتي صخرة بالحرة ملقاة بالليل فأستند إليها فأسمع وأنا نائم صوتا يجري في مسامعي فأقوم من النوم فأحكيه فهذا كان مبدأ غنائي
أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد قال أبي قال محمد بن سعيد الدوسي عن أبيه ومحمد بن يزيد عن سعيد الدوسي عن الربيع بن أبي الهيثم قال
كنا جلوسا مع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقال إنسان لمالك أنشدك الله أنت أحسن غناء أم معبد فقال مالك والله ما بلغت شراكه قط والله لو لم يغن معبد إلا قوله
( لَعَمْرُ أبيها لا تقولُ حَلِيلَتي ... ألاَ فَرَّ عَنِّي مالكُ بن أبي كَعْبِ )

( وهُمْ يضرِبون الكبْشَ تَبْرُقُ بيضُه ... تَرَى حَوْلَه الأبطالَ في حَلَقٍٍ شُهْبِ )
لكان حسبه قال وكان مالك إذا غنى غناء معبد يخفف منه ثم يقول أطال الشعر معبد ومططه وحذفته أنا وتمام هذا الصوت

صوت من غير المائة المختارة

( لعمر أبيها لا تقول حليلتي ... أَلاَ فَرَّ عَنِّي مالكُ بن أبي كعبِ )
( وهُمْ يضربون الكبشَ تَبْرُقُ بيضُه ... تَرَى حولَه الأبطالَ في حَلَق شُهْبِ )
( إذا أنْفَدُوا الزِّقَّ الرَّوِيَّ وصُرِّعُوا ... نَشَاوَى فلم أَقْطَعْ بقولي لهم حسْبي )
( بَعثتُ إلى حانُوتها فَسبأْتُها ... بغيرِ مكاسٍ في السُّوَام ولا غَضْبِ )
عروضه من الطويل والشعر لمالك بن أبي كعب بن القين الخزرجي أحد بني سلمة هكذا ذكر إسحاق وغيره يذكر أنه من مراد ولهذا الشعر خبر طويل يذكر بعد هذا والغناء في البيتين الأولين لمعبد ثقيل أول بالوسطى ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج ولمالك في الثالث والرابع من الأبيات لحن من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق ومن الناس من ينسب هذا اللحن إلى معبد ويقول إن مالكا أخذ لحنه منه فحذف بعض نغمه وانتحله وإن اللحن لمعبد في الأبيات الأربعة وقد ذكر أن هذا الشعر لرجل من مراد وروي له فيه حديث طويل وقد أخرج خبره في ذلك وخبر مالك بن أبي كعب الخزرجي أبي كعب بن مالك صاحب رسول الله في موضع آخر أفرد له إذ كانت له أخبار

كثيرة ولأجله لا تصلح أن تذكر هاهنا
رجع الخبر إلى معبد أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان عن يونس الكاتب قال
أقبلت من عند معبد فلقيني ابن محرزٍ ببطحان فقال من أين أقبلت قلت من عند أبي عباد فقال ما أخذت عنه قلت غنى صوتا فأخذته قال وما هو قلت
( ماذا تأمَّلَ واقفٌ جَمَلاً ... في رَبْع دارٍ عابَه قِدَمُهْ )
الشعر لخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد فقال لي ادخل معي دار ابن هرمة وألقه علي فدخلت معه فما زلت أردده عليه حتى غناه ثم قال إرجع معي إلى أبي عباد فرجعنا فسمعه منه ثم لم تفترق حتى صنع فيه ابن محرز لحنا آخر

نسبة هذا الصوت

صوت

( ماذا تأمّل واقفٌ جَمَلاً ... في رَبْع دارٍ عابَه قِدَمُهْ )
( أقْوَى وأقْفَرَ غيرَ مُنْتَصِبٍ ... لِبَدِ الرَّمادَةِ ناصعٍ حُمَمُهْ )

غناه معبد ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى وفيه خفيف ثقيل أول بالوسطى ينسب إلى الغريض وإلى ابن محرز وذكر عمرو بن بانة أن الثقيل الأول للغريض وذكر حبش أن فيه لمالك ثاني ثقيل بالوسطى وفيه رمل بالوسطى ينسب إلى سائب خاثر وذكر حبش أنه لإسحاق

غناء معبد يصدم ابن سريج والغريض

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد قال أبي قال ابن الكلبي
قدم ابن سريج والغريض المدينة يتعرضان لمعروف أهلها ويزوران من بها من صديقهما من قريش وغيرهم فلما شارفاها تقدما ثقلهما ليرتادا منزلا حتى إذا كانا بالمغسلة وهي جبانة على طرف المدينة يغسل فيها الثياب إذا هما بغلام ملتحف بإزار وطرفه على رأسه بيده حبالة يتصيد بها الطير وهو يتغنى ويقول
( القصرُ فالنخلُ فالجَمَّاء بينهما ... أَشْهَى إلى النفس من أبواب جَيْرونِ )
وإذا الغلام معبد قال فلما سمع ابن سريج والغريض معبدا مالا إليه واستعاداه الصوت فأعاده فسمعا شيئا لم يسمعا بمثله قط فأقبل أحدهما على صاحبه فقال هل سمعت كاليوم قط قال لا والله فما رأيك قال ابن سريج هذا غناء غلام يصيد الطير فكيف بمن في الجوبة يعني المدينة قال أما أنا فثكِلته والدته إن لم أرجع قال فكرا راجعين

قال وقال معبد قدمت مكة فذهب بي بعض القرشيين إلى الغريض فدخلنا عليه وهو متصبح فانتبه من صحبته وقعد فسلم عليه القرشي وسأله فقال له هذا معبد قد أتيتك به وأنا أحب أن تسمع منه قال هات فغنيته أصواتا فقال بمدرى معه في رأسه ثم قال إنك يا معبد لمليح الغناء قال فأحفظني ذلك فجثوت على ركبتي ثم غنيته من صنعتي عشرين صوتا لم يسمع بمثلها قط وهو مطرق واجم قد تغير لونه حسدا وخجلا

معبد وحكم الوادي والعبد الأسود

قال إسحاق وأخبرت عن حكم الوادي قال كنت أنا وجماعة من المغنين نختلف إلى معبد نأخذ عنه ونتعلم منه فغنانا يوما صوتا من صنعته وأعجب به وهو
( القصرُ فالنخلُ فالجَمَّاء بينهما ... )
فاستحسناه وعجبنا منه وكنت في ذلك اليوم أول من أخذه عنه واستحسنه مني فأعجبتني نفسي فلما انصرفت من عند معبد عملت فيه لحنا آخر وبكرت على معبد مع أصحابي وأنا معجب بلحني فلما تغنينا أصواتا قلت له إني قد عملت بعدك في الشعر الذي غنيتناه لحنا واندفعت فغنيته صوتي فوجم معبد ساعة يتعجب مني ثم قال قد كنت أمس أرجى مني لك اليوم وأنت اليوم عندي أبعد من الفلاح قال حكم فأُنسيت يعلم الله صوتي ذلك منذ تلك الساعة فما ذكرته إلى وقتي هذا

قال إسحاق وقال معبد بعث إلي بعض أمراء الحجاز وقد كان جمع له الحرمان أن أشخص إلى مكة فشخصت قال فتقدمت غلامي في بعض تلك الأيام واشتد علي الحر والعطش فانتهيت إلى خِباء فيه أسود وإذا حِباب ماء قد بُرِّدت فملت إليه فقلت يا هذا اسقني من هذا الماء فقال لا فقلت فأذن لي في الكِنِّ ساعة قال لي فأنخت ناقتي ولجأت إلى ظلها فاستترت به وقلت لو أحدثت لهذا الأمير شيئا من الغناء أقدم به عليه ولعلي إن حركت لساني أن يبل حلقي ريقي فيخفف عني بعض ما أجده من العطش فترنمت بصوتي
( القصرُ فالنخلُ فالجَمَّاء بينهما ... )
فلما سمعني الأسود ما شعرت به إلا وقد احتملني حتى أدخلني خباءه ثم قال أي بأبي أنت وأمي هل لك في سَويق السُّلت بهذا الماء البارد فقلت قد منعتني أقل من ذلك وشربة ماء تجزئني قال فسقاني حتى رويت وجاء الغلام فأقمت عنده إلى وقت الرواح فلما أردت الرحلة قال أي بأبي أنت وأمي الحر شديد ولا آمن عليك مثل الذي أصابك فأذن لي في أن أحمل معك قربة من ماء على عنقي وأسعى بها معك فكلما عطشت سقيتك صحنا وغنيتني صوتا قال قلت ذاك لك فوالله ما فارقني يسقيني وأغنيه حتى بلغت المنزل
نسخت من كتاب جعفر بن قدامة بخطه حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه

عن الزبير عن جرير قال

التقاء معبد وابن سريج ببطن مر

كان معبد خارجا إلى مكة في بعض أسفاره فسمع في طريقه غناء في بطن مر فقصد الموضع فإذا رجل جالس على حرف بركة فارق شعره حسن الوجه عليه دُرَّاعةٌ قد صبغها بزعفران وإذا هو يتغنى

صوت

( حَنَّ قِلبِي من بعد ما قد أَنَابَا ... ودَعَا الهَمَّ شَجْوُه فأَجَابا )
( ذاكَ مِنْ منزلٍ لسَلْمَى خَلاء ... لاَبِسٍ من خَلائِهِ جِلبابا )
( عُجْتُ فيه وقلتُ للرَّكْبِ عُوجُوا ... طَمَعاً أن يَرُدّ ربعٌ جوابا )
( فاسْتَثَار المنسِيَّ من لَوْعة الحب ... وأبْدَى الهمومَ والأوْصَابَا )
فقرع معبد بعصاه وغنى
( مَنَع الحياةَ من الرجالِ ونَفْعَها ... حَدَقٌ تُقَلِّبُها النساءُ مِرَاضُ )
( وكأنَّ أفئدةَ الرجالِ إذا رَأوْا ... حَدَقَ النِّساءِ لنَبْلها أَغْرَاضُ )
فقال له ابن سريج بالله أنت معبد قال نعم وبالله أنت ابن سريج قال نعم ووالله لو عرفتك ما غنيت بين يديك

نسبة هذين الصوتين وأخبارهما

صوت

( حَنَّ قلبي من بعد ما قد أنابا ... ودعا الهمَّ شجْوُهُ فأجابا )
( فاستثار المنسيَّ من لوعة الحبِّ ... وأَبْدَى الهمومَ والأوصابا )
( ذاك من منزلٍ لسَلْمى خَلاَءٍ ... مُكْتَسٍ من عَفَائه جِلْبَابا )
( عُجْتُ فيه وقلت للرَّكْب عُوجُوا ... طمعاً أن يَرُدَّ رَبْعٌ جوابا )
( ثانياً من زِمَامِ وَجْنَاء عَنْسٍ ... قَانِياً لونُها يُخَال خِضَابا )
( جَدُّها الفَالِجُ الأشَمُّ من البُخْتِ ... وخَالاَتُها انْتُخِبْنَ عِرَابا )
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج وله فيه لحنان رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وخفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو
صوت
( مَنع الحياةَ من الرجال ونَفْعَها ... حَدَقٌ تُقلِّبها النساءُ مِرَاضُ )
( وكأنَّ أفئدةَ الرجال إذا رأوْا ... حَدَقَ النّساء لنَبلِها أغراضُ )
الشعر للفرزدق والغناء لمعبد ثقيل أول عن الهشامي
أخبرني محمد بن مزبد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن سياط قال حدثني يونس الكاتب قال

معبد مع الجواري في السفينة

كان معبد قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء تدعى ظبية وعني بتخريجها فاشتراها رجل من أهل العراق فأخرجها إلى البصرة وباعها هناك فاشتراها رجل من أهل الأهواز فأعجب بها وذهبت به كل مذهب وغلبت عليه ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهة من الزمان وأخذ جواريه أكثر غنائها عنها فكان لمحبته إياها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وأين مستقره ويظهر التعصب والميل إليه والتقديم لغنائه على سائر أغاني أهل عصره إلى أن عرف ذلك منه وبلغ معبدا خبره فخرج من مكة حتى أتى البصرة فلما وردها صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك اليوم إلى الأهواز فاكترى سفينة وجاء معبد يلتمس سفينة ينحدر فيها إلى الأهواز فلم يجد غير سفينة الرجل وليس يعرف أحد منهما صاحبه فأمر الرجل الملاح أن يجلسه معه في مؤخر السفينة ففعل وانحدروا فلما صاروا في فم نهر الأبلة تغدوا وشربوا وأمر جواريه فغنين ومعبد ساكت وهو في ثياب السفر وعليه فرو وخفان غليظان وزي جاف من زي أهل الحجاز إلى أن غنت إحدى الجواري

صوت

( بانت سُعادُ وأمْسَى حبلُها انْصرَمَا ... واحْتَلَّت الغَوْرَ فالأجْزَاعَ من إضَما )

( إحْدَى بَليٍّ هام الفؤادُ بها ... إلاَّ السّفَاه وإلاَّ ذُكْرَةً حُلُمَا )
قال حماد والشعر للنابغة الذبياني والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر وفيه لغيره ألحان قديمة ومحدثة فلم تجد أداءه فصاح بها معبد يا جارية إن غناءك هذا ليس بمستقيم قال فقال له مولاها وقد غضب وأنت ما يدريك الغناء ما هو ألا تمسك وتلزم شأنك فأمسك ثم غنت أصواتا من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلم حتى غنت

صوت

( بابنةِ الأزْدِيّ قَلْبي كَئِيبُ ... مُسْتَهامٌ عندها ما يُنِيبُ )
( ولقد لاموا فقلتُ دَعُوني ... إنّ مَنْ تَنْهَوْن عنه حَبِيبُ )
( إنَّما أَبْلَى عِظَامِي وجِسْمي ... حُبُّها والحبُّ شيءٌ عَجِيبُ )
( أيُّها العائبُ عندِي هَوَاها ... أنت تَفْدِي مَنْ أرَاكَ تَعِيبُ )
والشعر لعبد الرحمن بن أبي بكر والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر قال فأخلت ببعضه فقال لها معبد يا جارية لقد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا فغضب الرجل وقال له ويلك ما أنت والغناء ألا تكف عن هذا الفضول فأمسك وغنى الجواري مليا ثم غنت إحداهن
صوت
( خَلِيليَّ عُوجَا فأبكيَا ساعةً معي ... على الرَّبْع نَقْضي حاجةً ونُوَدِّعِ )
( ولا تُعْجِلاَني أنْ أُلِمَّ بِدمْنَةٍ ... لِعَزّةَ لاحَتْ لي بِبَيْدَاءَ بَلْقَعِ )

( وقُولاَ لِقلبٍ قد سَلا راجِع الهَوى ... ولِلعَيْن أَذْرِي من دموعكِ أو دَعِي )
( فلا عَيْشَ إلا مثلُ عيشٍ مضَى لنا ... مَصِيفاً أقَمْنَا فيه مِن بعد مَرْبَعِ )
الشعر لكثير والغناء لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى وفيه رمل للغريض

إعجاب الجواري بغناء معبد

قال فلم تصنع فيه شيئا فقال لها معبد يا هذه أما تقوين على أداء صوت واحد فغضب الرجل وقال له ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة وأقسم بالله لئن عاودت لأخرجنك من السفينة فأمسك معبد حتى إذا سكتت الجواري سكتة اندفع يغني الصوت الأول حتى فرغ منه فصاح الجواري يا رجل فأعده فقال لا والله ولا كرامة ثم اندفع يغني الثاني فقلن لسيدهن ويحك هذا والله أحسن الناس غناء فسله أن يعيده علينا ولو مرة واحدة لعلنا نأخذه عنه فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبدا فقال قد سمعتن سوء رده عليكن وأنا خائف مثله منه وقد أسلفناه الإساءة فاصبرن حتى نداريه ثم غنى الثالث فزلزل عليهم الأرض فوثب الرجل فخرج إليه وقبل رأسه وقال يا سيدي أخطأنا عليك ولم نعرف موضعك فقال له فهبك لم تعرف موضعي قد كان ينبغي لك أن تتثبت ولا تسرع إلي بسوء العشرة وجفاء القول فقال له قد أخطأت وأنا أعتذر إليك مما جرى وأسألك أن تنزل إلي وتختلط بي فقال أما الآن فلا فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه فقال له الرجل ممن أخذت هذا الغناء قال من بعض أهل الحجاز فمن أين أخذه من جارية كانت لي ابتاعها رجل من أهل البصرة من مكة وكانت قد أخذت عن أبي عباد معبد وعني

بتخريجها فكانت تحل مني محل الروح من الجسد ثم استأثر الله عز و جل بها وبقي هؤلاء الجواري وهن من تعليمها فأنا إلى الآن أتعصب لمعبد وأفضله على المغنين جميعا وأفضل صنعته على كل صنعة فقال له معبد أو إنك لأنت هو أفتعرفني قال لا قال فصك معبد بيده صلعته ثم قال فأنا والله معبد وإليك قدمت من الحجاز ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز ووالله لا قصرت في جواريك هؤلاء ولأجعلن لك في كل واحدة منهن خلفا من الماضية فأكب الرجل والجواري على يديه ورجليه يقبلونها ويقولون كتمتنا نفسك طول هذا اليوم حتى جفوناك في المخاطبة وأسأنا عشرتك وأنت سيدنا ومن نتمنى على الله أن نلقاه ثم غير الرجل زيه وحاله وخلع عليه عدة خلع وأعطاه في وقته ثلثمائة دينار وطيبا وهدايا بمثلها وانحدر معه إلى الأهواز فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه وما أخذنه عنه ثم ودعه وانصرف إلى الحجاز

معبد يغني للوليد بن يزيد

أخبرني الحسن بن علي الخفاف وعبد الباقي بن قانع قالا حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال حدثني سليمان بن غزوان مولى هشام قال حدثني عمر القاري بن عدي قال
قال الوليد بن يزيد يوما لقد اشتقت إلى معبد فوجه البريد إلى المدينة

فأتى بمعبد وأمر الوليد ببركة قد هيئت له فملئت بالخمر والماء وأتي بمعبد فأمر به فأجلس والبركة بينهما وبينهما ستر قد أرخي فقال له غنني يا معبد

صوت

( لَهْفِي على فِتْية ذَلَّ الزمانُ لهمْ ... فما أصابَهُمُ إلا بما شاؤوا )
( ما زال يَعْدُو عليهم رَيْبُ دَهْرِهِمُ ... حتى تَفَانَوْا وريبُ الدهر عَدَّاءُ )
( أَبْكَى فِراقَهُمُ عَيْني وأرّقها ... إنّ التفرُّق للأحباب بَكَّاءُ )
الغناء لمعبد خفيف ثقيل وفيه ليحيى المكي رمل ولسليمان هزج كلها رواية الهشامي قال فغناه إياه فرفع الوليد الستر ونزع ملاءة مطيبة كانت عليه وقذف نفسه في تلك البركة فنهل فيها نهلة ثم أتي بأثواب غيرها وتلقوه بالمجامر والطيب ثم قال غنني
صوت
( يا رَبْعُ مالكَ لا تُجِيبُ متيّما ... قد عاج نحوَك زائراً ومُسَلِّما )
( جادتْكَ كلُّ سحابةٍ هَطَّالةٍ ... حتى تُرَى عن زَهْرةٍ متبسِّما )
الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى والخنصر عن ابن المكي وفيه لعلوية ثاني ثقيل آخر بالبنصر في مجراها عنه قال فغناه فدعا له بخمسة عشر ألف دينار فصبها بين يديه ثم قال انصرف إلى أهلك واكتم ما رأيت

وأخبرني بهذا الخبر عمي فجاء ببعض معانيه وزاد فيه ونقص قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني سليمان بن سعد الحلبي قال
سمعت القاري بن عدي يقول اشتاق الوليد بن يزيد إلى معبد فوجه إليه إلى المدينة فأحضر وبلغ الوليد قدومه فأمر ببركة بين يدي مجلسه فملئت ماء ورد قد خلط بمسك وزعفران ثم فرش للوليد في داخل البيت على حافة البركة وبسط لمعبد مقابله على حافة البركة ليس معهما ثالث وجيء بمعبد فرأى سترا مرخى ومجلس رجل واحد فقال له الحجاب يا معبد سلم على أمير المؤمنين واجلس في هذا الموضع فسلم فرد عليه الوليد السلام من خلف الستر ثم قال له حياك الله يا معبد أتدري لم وجهت إليك قال الله أعلم وأمير المؤمنين قال ذكرتك فأحببت أن أسمع منك قال معبد أأغني ما حضر أم ما يقترحه أمير المؤمنين قال بل غنني
( ما زال يَعْدُو عليهم ريبُ دهرِهِمُ ... حتى تفانَوْا وريبُ الدهر عَدّاءُ )
فغناه فما فرغ منه حتى رفع الجواري السجف ثم خرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج منها فاستقبله الجواري بثياب غير الثياب الأولى ثم شرب وسقى معبدا ثم قال له غنني يا معبد
( يا رَبْعُ مالك لا تُجيِبُ متيّما ... قد عاج نحوَك زائراً ومسلِّما )
( جادتكَ كلُّ سحابة هَطَّالة ... حتى تُرَى عن زَهْرةٍ متبسِّما )
( لو كنتَ تَدْرِي مَنْ دعاك أجبتَه ... وبكيتَ من حُرَقٍ عليه إذاً دَما )
قال فغناه وأقبل الجواري فرفعن الستر وخرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج فلبس ثيابا غير تلك ثم شرب وسقى معبدا ثم قال له غنني فقال بماذا يا أمير المؤمنين قال غنني

( عَجِبَتْ لمّا رأتنِي ... أندبُ الربعَ المُحيِلا )
( واقفاً في الدار أبكِي ... لا أرى إلا الطُّلولا )
( كيف تَبْكِي لأُناسٍ ... لا يَمَلُّون الذَّمِيلاَ )
( كلَّما قلتُ اطمأنَّتْ ... دارُهم قالوا الرَّحيلا )
قال فلما غناه رمى نفسه في البركة ثم خرج فردوا عليه ثيابه ثم شرب وسقى معبدا ثم أقبل عليه الوليد فقال له يا معبد من أراد أن يزداد عند الملوك حظوة فليكتم أسرارهم فقلت ذلك ما لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائي به فقال يا غلام احمل إلى معبد عشرة آلاف دينار تُحَصَّلُ له في بلده وألفي دينار لنفقة طريقه فحملت إليه كلها وحمل على البريد من وقته إلى المدينة

معبد والرجل الشامي

قال إسحاق وقال معبد أرسل إلي الوليد بن يزيد فأُشْخِصتُ إليه فبينا أنا يوما في بعض حمامات الشأم إذ دخل علي رجل له هيبة ومعه غلمان له فاطَّلى واشتغل به صاحب الحمام عن سائر الناس فقلت والله لئن لم أُطْلِع هذا على بعض ما عندي لأكونن بمزجر الكلب فاستدبرته حيث يراني ويسمع مني ثم ترنمت فالتفت إلي وقال للغلمان قدموا إليه جميع ما هاهنا فصار جميع ما

كان بين يديه عندي قال ثم سألني أن أسير معه إلى منزله فأجبته فلم يدع من البر والإكرام شيئا إلا فعله ثم وضع النبيذ فجعلت لا آتي بحسن إلا خرجت إلى ما هو أحسن منه وهو لا يرتاح ولا يَحْفِلُ لما يرى مني فلما طال عليه أمري قال يا غلام شيخنا شيخنا فأتي بشيخ فلما رآه هش إليه فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغني
( سِلَّوْرُ في القِدْرِ ويْلي عَلُوْه ... جاء القِطُّ أكلَهْ وَيْلي عَلُوهْ )
السِّلَّوْرُ السمك الجِرِّيُّ بلغة أهل الشأم قال فجعل صاحب المنزل يصفق ويضرب برجله طربا وسرورا قال ثم غناه
( وتَرْمِيني حَبِيبةُ بالدُّرَاقِنْ ... وتَحْسَبُني حبيبةُ لا أراها )
الدُّراقِن اسم الخَوْخ بلغة أهل الشأم قال فكاد أن يخرج من جلده طربا قال وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي فما رأيت مثل ذلك اليوم قط غناء أضيع ولا شيخا أجهل

ابن عائشة يقتبس من غناء معبد

قال إسحاق وذكر لي شيخ من أهل المدينة عن هارون بن سعد أن ابن عائشة كان يلقي عليه وعلى ربيحة الشماسية فدخل معبد فألقى عليهما صوتا

فاندفع ابن عائشة يغنيه وقد أخذه منه فغضب معبد وقال أحسنت يابن عاهرة الدار تفاخرني فقال لا والله جعلني الله فداءك يا أبا عباد ولكني أقتبس منك وما أخذته إلا عنك ثم قال أنشدك الله يا ابن شماس هل قلت لك قد جاء أبو عباد فاجمع بيني وبينه أقتبس منه قال اللهم نعم
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال
قيل لابن عائشة وقد غنى صوتا أحسن فيه فقال أصبحت أحسن الناس غناء فقيل له وكيف أصبحت أحسن الناس غناء قال وما يمنعني من ذلك وقد أخذت من أبي عباد أحد عشر صوتا وأبو عباد مغني أهل المدينة والمقدم فيهم
أخبرنا وكيع قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال حدثني أيوب ابن عباية عن رجل من هذيل قال

معبد مع المغنين في مكة

قال معبد غنيت فأعجبني غنائي وأعجب الناس وذهب لي به صِيتٌ وذكر فقلت لآتين مكة فلأسمعن من المغنين بها ولأغنينهم ولأتعرفن إليهم فابتعت حمارا فخرجت عليه إلى مكة فلما قدمتها بعت حماري وسألت عن المغنين أين يجتمعون فقيل بقعيقعان في بيت فلان فجئت إلى منزله بالغلس فقرعت

الباب فقال من هذا فقلت انظر عافاك الله فدنا وهو يسبح ويستعيذ كأنه يخاف ففتح فقال من أنت عافاك الله قلت رجل من أهل المدينة قال فما حاجتك قلت أنا رجل أشتهي الغناء وأزعم أني أعرف منه شيئا وقد بلغني أن القوم يجتمعون عندك وقد أحببت أن تنزلني في جانب منزلك وتخلطني بهم فإنه لا مؤونة عليك ولا عليهم مني فلوى شيئا ثم قال انزل على بركة الله قال فنقلت متاعي فنزلت في جانب حجرته ثم جاء القوم حين أصبحوا واحدا بعد واحد حتى اجتمعوا فأنكروني وقالوا من هذا الرجل قال رجل من أهل المدينة خفيف يشتهي الغناء ويطرب عليه ليس عليكم منه عناء ولا مكروه فرحبوا بي وكلمتهم ثم انبسطوا وشربوا وغنوا فجعلت أعجب بغنائهم وأظهر ذلك لهم ويعجبهم مني حتى أقمنا أياما وأخذت من غنائهم وهم لا يدرون أصواتا وأصواتا وأصواتا ثم قلت لابن سريج أي فديتك أمسك علي صوتك
( قُلْ لهندٍ وتِرْبِها ... قبلَ شَحْطِ النَّوَى غَدا )
قال أو تحسن شيئا قلت تنظر وعسى أن أصنع شيئا واندفعت فيه فغنيته فصاح وصاحوا وقالوا أحسنت قاتلك الله قلت فأمسك علي صوت كذا فأمسكوه علي فغنيته فازدادوا عجبا وصياحا فما تركت واحدا منهم إلا غنيته من غنائه أصواتا قد تخيرتها قال فصاحوا حتى علت أصواتهم وهرفوا بي

وقالوا لأنت أحسن بأداء غنائنا عنا منا قال قلت فأمسكوا علي ولا تضحكوا بي حتى تسمعوا من غنائي فأمسكوا علي فغنيت صوتا من غنائي فصاحوا بي ثم غنيتهم آخر وآخر فوثبوا إلي وقالوا نحلف بالله إن لك لصيتا واسما وذكرا وإن لك فيما هاهنا لسهما عظيما فمن أنت قلت أنا معبد فقبلوا رأسي وقالوا لفقت علينا وكنا نتهاون بك ولا نعدك شيئا وأنت أنت فأقمت عندهم شهرا آخذ منهم ويأخذون مني ثم انصرفت إلى المدينة

نسبة هذا الصوت

صوت

( قُلْ لِهندٍ وتِرْبِها ... قبلَ شَحْطِ النَّوَى غَدَا )
( إنْ تجُودِي فطالما ... بِتُّ ليْلي مُسهَّدَا )
( أنتِ في وُدِّ بينِنا ... خيرُ ما عندَنا يدا )
( حينَ تُدْلِي مُضَفَّراً ... حالِكَ اللَّونِ أسْودا )
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج عن حماد ولم يجنسه وفيه لمالك خفيف ثقيل أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق وقال الهشامي فيه لابن محرز خفيف ثقيل بالوسطى

ومن الثلاثة الأصوات المختارة

صوت فيه أربعة ألحان من رواية علي بن يحيى

( تَشَكَّى الكُمَيتُ الجَرْيَ لمّا جَهَدْتُهُ ... وبَيَّنَ لو يَسْطِيعُ أن يتكلَّما )
( لذلك أُدْني دونَ خَيْلي مَكَانَهُ ... وأُوصي به ألاَّ يُهَانَ ويُكرمَا )
( فقلتُ له إنْ ألقَ للعين قُرَّةً ... فهان عليّ أن تَكِلَّ وتَسْأمَا )

( عَدِمتُ إذاً وفْرِي وفارقتُ مُهجتي ... لئن لم أقِلْ قَرْناً إنِ اللهُ سَلَّمَا )
عروضه من الطويل قوله لئن لم أقل قرنا يعني أنه يجد في سيره حتى يقيل بهذا الموضع وهو قرن المنازل وكثيرا ما يذكره في شعره
الشعر لعمر بن أبي ربيعة المخزومي والغناء في هذا اللحن المختار لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى وفيه لإسحاق أيضا ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة وفيه ثقيل أول يقال إنه ليحيى المكي وفيه خفيف رمل يقال إنه لأحمد بن موسى المنجم وفيه للمعتضد ثاني ثقيل آخر في نهاية الجودة وقد كان عمرو بن بانة صنع فيه لحنا فسقط لسقوط صنعته
أخبرني جحظة قال حدثني أبو عبد الله الهشامي قال
صنع عمرو بن بانة لحنا في تَشَكَّى الكميتُ الجريَ فأخبرني بعض عجائزنا بذلك قالت فأردنا أن نعرضه على مُتَيَّمَ لنعلم ما عندها فيه فقلنا لبعض من أخذه عن عمرو غنِّ تشكَّى الكميتُ الجريَ في اللحن الجديد فقالت متيَّمُ أيش هذا اللحن الجديد والكَميْت المحدث قلنا لحن صنعه عمرو بن بانة فغنته الجارية فقالت متيَّمُ لها اقطعي اقطعي حسبك حسبك

هذا والله لحمار حنين المكسور أشبه منه بالكُمَيْت

ذكر خبر عمر بن أبي ربيعة ونسبه

هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة واسم أبي ربيعة حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وقد تقدم باقي النسب في نسب أبي قطيفة ويكنى عمر بن أبي ربيعة أبا الخطاب وكان أبو ربيعة جده يسمى ذا الرُّمْحَين سمي بذلك لطوله كان يقال كأنه يمشي علي رمحين
أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي ومحمد بن الضحاك عن أبيه الضحاك عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعي وقيل إنه قاتل يوم عكاظ برمحين فسمي ذا الرُّمْحين لذلك
وأخبرني بذلك أيضا علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مصعب الزبيري والمدائني والمُسَيَّبيّ ومحمد بن سلام قالوا وفيه يقول عبد الله بن الزِّبَعْرَى

( ألاَ للّهِ قومٌ ولَدَتْ ... أُختُ بني سَهْمِ )
( هِشَامٌ وأبو عَبْدِ ... مَنَافٍ مِدْرَهُ الخَصْمِ )
( وذو الرُّمْحين أشْباكَ ... على القوّة والحَزْمِ )
( فهذان يَذُودَانِ ... وذا مِنْ كَثَبٍ يَرْمي )
( أُسُودٌ تَزْدَهي الأقرانَ ... مَنَّاعُونَ للهَضْمِ )
( وهم يومَ عُكاظٍ منعوا ... الناسَ من الهَزْمِ )
( وهم مَنْ وَلَدُوا أشْبَوْا ... بسِرِّ الجَسَبِ الضَّخْمِ )
( فإن أحلِفْ وبيتِ الله ... لا أحلفْ على إثمِ )
( لما مِنْ إخوَةٍ بين ... قصورِ الشأم والرَّدْمِ )
( بأزْكى من بني رَيْطَةَ ... أو أوْزَنَ في الحِلْمِ )
أبو عبد مناف الفاكه بن المغيرة وريطة هذه التي عناها هي أم بني المغيرة وهي بنت سعيد بن سعد بن سهم ولدت من المغيرة هشاما وهاشما وأبا ربيعة والفاكه
وأخبرني أحمد بن سليمان بن داود الطُّوسيّ والحرمي بن أبي العلاء قالا

حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال أخبرني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال
قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وجئته أطلب منه مغرما يا خال هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة وقل سمعت حسان ينشدها رسول الله فقلت أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها فعلت فقال لا إلا أن تقول سمعت حسان ينشدها رسول الله ورسول الله جالس فأبى علي وأبيت عليه فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال فأرسل إلي فقال قل أبياتا تمدح بها هشاما يعني ابن المغيرة وبني أمية فقلت سمهم لي فسماهم وقال اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك فقلت
( ألا للهِ قومٌ ولدتْ ... أُختُ بني سَهْمِ )
الأبيات قال ثم جئت فقلت هذه قالها أبي فقال لا ولكن قل قالها ابن الزِّبَعْرَى قال فهي إلى الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزِّبَعْرى
قال الزبير وأخبرني محمد بن الحسن المخزومي قال أخبرني محمد بن طلحة أن عمر بن أبي ربيعة قائل هذه الأبيات
( ألا للهِ قومٌ ولدتْ ... أُختُ بني سهْمِ )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا

حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال حدثني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه بمثل ما رواه الزبير عنه وزاد فيه عمر بن شبة قال محمد بن يحيى وأخت بني سهم التي عناها رَيْطةُ بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي بن غالب وهي أم بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهم هشام وهاشم وأبو ربيعة والفاكه وعدة غيرهم لم يعقبوا وإياهم يعني أبو ذؤيب بقوله

عبد الله بن أبي ربيعة يكسو الكعبة من ماله

( صَخِبُ الشَّوارِبِ لا يزالُ كأنه ... عبدٌ لآل أبي رَبِيعةَ مُسْبَعُ )
ضرب بعزهم المثل قال وكان اسم عبد الله بن أبي ربيعة في الجاهلية بحيرا فسماه رسول الله عبد الله وكانت قريش تلقبه العدل لأن قريشا كانت تكسو الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنة ويكوسوها هو من ماله سنة فأرادوا بذلك أنه وحده عدل لهم جميعا في ذلك وفيه يقول ابن الزِّبَعْرَى
( بَحِيرُ بنُ ذي الرُّمحين قرَّب مجلسي ... وراح عليّ خيرُه غيرَ عاتِمِ )
وقد قيل إن العدل هو الوليد بن المغيرة
وكان عبد الله بن أبي ربيعة تاجرا موسرا وكان متجره إلى اليمن وكان من

أكثرهم مالا وأمه أسماء بنت مخربة وقيل مخرمة وكانت عطارة يأتيها العطر من اليمن وقد تزوجها هشام بن المغيرة أيضا فولدت له أبا جهل والحارث ابني هشام فهي أمهما وأم عبد الله وعياش ابني أبي ربيعة
أخبرني الحرمي والطوسي قالا حدثنا الزبير قال حدثني عمي عن الواقدي قال
كانت أسماء بنت مخربة تبيع العطر بالمدينة فقالت الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية وكان أبوها قتل أبا جهل بن هشام يوم بدر واحتز رأسه عبد الله ابن مسعود وقيل بل عبد الله بن مسعود هو الذي قتله فذكرت أن أسماء بنت مخربة دخلت عليها وهي تبيع عطرا لها في نسوة قالت فسألت عنا فانتسبنا لها فقالت أأنت ابنة قاتل سيده تعني أبا جهل قلت بل أنا بنت قاتل عبده قالت حرام علي أن أبيعك من عطري شيئا قلت وحرام علي أن أشتري منه شيئا فما وجدت لعطر نتنا غير عطرك ثم قمت لا والله ما رأيت عطرا أطيب من عطرها ولكني أردت أن أعيبه لأغيظها

رأي النبي في حبش بني المغيرة

وكان لعبد الله بن أبي ربيعة عبيد من الحبشة يتصرفون في جميع المهن وكان عددهم كثيرا فروي عن سفيان بن عيينة أنه قيل لرسول الله حين خرج إلى حنين هل لك في حبش بني المغيرة تستعين بهم فقال لا خير في الحبش إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا وإن فيهم لخلتين حسنتين إطعام

الطعام والبأس يوم البأس واستعمل رسول الله عبد الله بن أبي ربيعة على الجند ومخاليفها فلم يزل عاملا عليها حتى قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا من رواية الزبير عن عمه قال وحدثني ابن الماجشون عن عمه أن عثمان بن عفان رحمه الله استعمله أيضا عليها
وأم عمر بن أبي ربيعة أم ولد يقال لها مجد سبيت من حضرموت ويقال من حمير قال أبو محلم ومحمد بن سلام هي من حمير ومن هناك أتاه الغزل يقال غزل يمان ودل حجازي
وقال عمر بن شبة أم عمر بن أبي ربيعة أم ولد سوداء من حبش يقال لهم فرسان وهذا غلط من أبي زيد تلك أم أخيه الحارث بن عبد الله الذي يقال له القُبَاعُ وكانت نصرانية وكان الحارث بن عبد الله شريفا كريما دينا وسيدا من سادات قريش
قال الزبير بن بكار ذكره عبد الملك بن مروان يوما وقد ولاه عبد الله بن الزبير فقال أرسل عوفا وقعد لا حر بوادي عوف فقال له يحيى بن الحكم ومن الحارث بن السوداء فقال له عبد الملك ما ولدت والله أمة خيرا

مما ولدت أمه
وأخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزبير والمدائني والمسيبي أن أمه ماتت نصرانية وكانت تسر ذلك منه فحضر الأشراف جنازتها وذلك في عهد عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فسمع الحارث من النساء لغطا فسأل عن الخبر فعرف أنها ماتت نصرانية وأنه وجد الصليب في عنقها وكانت تكتمه ذلك فخرج إلى الناس فقال انصرفوا رحمكم الله فإن لها أهل دين هم أولى بها منا ومنكم فاستحسن ذلك منه وعجب الناس من فعله

نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء

صوت

( ألاَ لله قومٌ ولدتْ ... أُختُ بني سَهْمِ )
( هِشَامٌ وأبو عَبْدِ ... مَنَافٍ مِدْرَهُ الخَصْمِ )
( وذو الرُّمْحين أشْبَاكَ ... على القوّة والحَزْمِ )
( فهذان يَذُودان ... وذا من كَثَب يَرْمي )
عروضه من مكفوف الهزج الغناء لمعبد خفيف رمل من رواية حماد
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال إسماعيل بن مجمع أخبرنا المدائني عن رستم بن صالح قال

رأي يزيد بن عبد الملك في غناء معبد وابن سريج

قال يزيد بن عبد الملك يوما لمعبد يا أبا عباد إني أريد أن أخبرك عن نفسي وعنك فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تتحاش أن ترده علي فقد أذنت لك قال يا أمير المؤمنين لقد وضعك ربك بموضع لا يعصيك إلا ضال ولا يرد عليك إلا مخطئ قال إن الذي أجده في غنائك لا أجده في غناء ابن سريج أجد في غنائك متانة وفي غنائه انخناثا ولينا قال معبد والذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته وارتضاه لعباده وجعله أمينا على أمة نبيه ما عدا صفتي وصفة ابن سريج وكذا يقول ابن سريج وأقول ولكن إن رأى أمير المؤمنين أن يعلمني هل وضعني ذاك عنده فعل قال لا والله ولكني أوثر الطرب على كل شيء قال يا سيدي فإذا كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء وأذهب أنا إلى الكامل التام فأغرب أنا ويشرق هو فمتى نلتقي قال أفتقدر أن تحكي رقيق ابن سريج قال نعم فصنع من وقته لحنا من الخفيف في
( ألاَ للّه قومٌ ولَدتْ ... أُختُ بني سَهْمِ )
الأربعة الأبيات فغناه فصاح يزيد أحسنت والله يا مولاي أعد فداك أبي وأمي فأعاد فرد عليه مثل قوله الأول فأعاد ثم قال أعد فداك أبي وأمي فأعاد فاستخفه الطرب حتى وثب وقال لجواريه افعلن كما أفعل وجعل يدور في الدار ويدرن معه وهو يقول
( يا دارُ دَوِّرِيني ... يا قَرْقَرُ امْسِكِيني )
( آلَيْتِ مُنْذُ حينِ ... حقّاً لَتَصْرِمِيني )
( ولا تُوَاصِلِيني ... باللّهِ فَارْحَمِيني )
( لَمْ تَذْكُري يَمِيني ... )
قال فلم يزل يدور كما يدور الصبيان ويدرن معه حتى خر مغشيا عليه ووقعن فوقه ما يعقل ولا يعقلن فابتدره الخدم فأقاموه وأقاموا من كان على ظهره من جواريه وحملوه وقد جادت نفسه أو كادت

ولدا عمر جوان وأمة الواحد

رجع الخبر إلى ذكر عمر بن أبي ربيعة وكان لعمر بن أبي ربيعة ابن صالح يقال له جوان وفيه يقول العرجي
( شَهِيدي جُوَانٌ على حبِّها ... أليس بعَدْلٍ عليها جُوَان )
فأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا يحيى بن محمد بن عبد الله بن ثوبان قال
جاء جوان بن عمر بن أبي ربيعة إلى زياد بن عبد الله الحارثي وهو إذ ذاك أمير على الحجاز فشهد عنده بشهادة فتمثل
( شَهِيدي جُوانٌ على حبّها ... أليس بعدلٍ عليها جُوَان )
وهذا الشعر للعرجي ثم قال قد أجزنا شهادتك وقبله وقال غير الزبير إنه جاء إلى العرجي فقال له يا هذا ما لي ومالك تشهرني في شعرك متى أشهدتني على صاحبتك هذه ومتى كنت أنا أشهد في مثل هذا قال وكان أمرأً صالحا

وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بكار بن عبد الله قال استعمل بعض ولاة مكة جوان بن عمر على تبالة فحمل على خثعم في صدقات أموالهم حملا شديدا فجعلت خثعم سنة جوان تاريخا فقال ضبارة بن الطفيل
( أتَلْبَسُنا ليلَى على شَعَثٍ بنا ... من العامِ أو يُرمَى بنا الرَّجَوانِ )

صوت

( رأتْني كأَشْلاءِ اللِّجامِ وراقَها ... أخو غَزَلٍ ذو لِمَّةٍ ودِهَانِ )
( ولو شَهِدَتْني في ليالٍ مَضَيْنَ لي ... لِعَامَيْن مرّا قبلَ عامِ جُوَانِ )
( رأتْنا كريمي معشرٍ حُمَّ بينَنا ... هَوىٍّ فحفِظْنَاه بحُسْنِ صِيَانِ )
( نَذُودُ النفوسَ الحائِمَاتِ عن الصِّبا ... وهُنَّ بأعناقٍ إليه ثَوَاني )
ذكر حبش أن الغناء في هذه الأبيات للغريض ثاني ثقيل بالبنصر وذكر الهشامي أنه لقراريط
قالوا وكان لعمر أيضا بنت يقال لها أمة الواحد وكانت مسترضعة في هذيل وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة وقد خرج يطلبها فضل الطريق

( لم تَدْرِ ولْيَغْفِر لها ربُّها ... ما جَشَّمَتْنا أَمَةُ الواحدِ )
( جَشَّمَتِ الهَوْلَ براذِينَنا ... نسألُ عن بيتِ أبي خالدِ )
( نسألُ عن شيخِ بني كاهلٍ ... أعْيا خَفَاءً نِشْدَةَ الناشدِ )
أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامري أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم قال حدثني أسامة بن زيد بن الحكم بن عوانة عن عوانة بن الحكم قال أراه عن الحسن قال
ولد عمر بن أبي ربيعة ليلة قتل عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فأي حق رفع وأي باطل وضع قال عوانة ومات وقد قارب السبعين أو جاوزها
أخبرني الجوهري والمهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن الحارث عن ابن جريج عن عطاء قال
كان عمر بن أبي ربيعة أكبر مني كأنه وُلد في أول الإسلام

عمر ينشد ابن العباس أمن آل نعم في المسجد الحرام

أخبرني الجوهري والمهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني هارون بن عبد الله الزهري قال حدثنا ابن أبي ثابت وحدثني به علي بن صالح بن الهيثم عن أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي والزبيري والمدائني ومحمد بن سلام قالوا قال أيوب بن سيار وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الحسن المخزومي عن عبد العزيز بن عمران عن أيوب بن سيار عن عمر الركاء قال
بينا ابن عباس في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين أو ممصرين حتى دخل وجلس فأقبل عليه ابن عباس فقال أنشدنا فأنشده
( أمِن آل نُعْمٍ أنت غَادٍ فمُبْكِرُ ... غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهَجِّرُ )
حتى أتى على آخرها فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال الله يا ابن عباس إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا ويأتيك غرلام مترف من مترفي قريش فينشدك

( رأتْ رجُلاً أمّا إذا الشمسُ عارضت ... فَيخْزَى وأمّا بالعشِيِّ فَيَخْسَرُ )
فقال ليس هكذا قال قال فكيف قال فقال قال
( رأتْ رجُلاً أمّا إذا الشمسُ عارضتْ ... فَيَضْحَى وأمّا بالعَشِيّ فَيَخْصَرُ )
فقال ما أراك إلا وقد حفظت البيت قال أجل وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إياها قال فإني أشاء فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها وفي غير رواية عمر بن شبة أن ابن عباس أنشدها من أولها إلى آخرها ثم أنشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة وما سمعها قط إلا تلك المرة صفحا قال وهذا غاية الذكاء فقال له بعضهم ما رأيت أذكى منك قط فقال لكني ما رأيت قط أذكى من علي بن أبي طالب عليه السلام وكان ابن عباس يقول ما سمعت شيئا قط إلا رويته وإني لأسمع صوت النائحة فأسد أذني كراهة أن أحفظ ما تقول قال ولامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة أمن آل نعم فقال إنا نستجيدها وقال الزبير في خبره عن عمه فكان ابن عباس بعد ذلك كثيرا ما يقول هل أحدث هذا المغيري شيئا بعدنا
قال وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال
كان عبد الله بن الزبير إذا سمع قول عمر بن أبي ربيعة
( فيَضْحَى وأمّا بالعَشِيّ فيَخْصَر ... )
قال لا بل
( فيَخزَى وأمَّا بالعشيّ فيخسَرُ ... )
قال عمر بن شبة وأبو هفان والزبير في حديثهم ثم أقبل على ابن أبي ربيعة فقال

أنشد فأنشده
( تَشُطُّ غداً دارُ جيرانِنا ... )
وسكت فقال ابن عباس
( وَللدّارُ بعدَ غدٍ أبعدُ ... )
فقال له عمر كذلك قلت أصلحك الله أفسمعته قال لا ولكن كذلك ينبغي

اختلاف الآراء في شعر عمر

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب ابن إسحاق قال
العرب تقر لقريش بالتقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر فإنها كانت لا تقر لها به حتى كان عمر بن أبي ربيعة فأقرت لهما الشعراء بالشعر أيضا ولم تنازعها شيئا
قال الزبير وسمعت عمي مصعبا يحدث عن جدي أنه قال مثل هذا القول قال وحدثني عدة من أهل العلم أن النصيب قال لعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال
قال المدائني قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن أبي ربيعة ما

يمنعك من مدحنا قال إني لا أمدح الرجال إنما أمدح النساء قال وكان ابن جريج يقول ما دخل على العواتق في حجالهن شيء أضر عليهن من شعر عمر بن أبي ربيعة
قال الزبير وحدثني عمي عن جدي وذكره أيضا إسحاق فيما رويناه عن أبي هفان عنه عن المدائني قال قال هشام بن عروة لا ترووا فتياتكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطا وأنشد
( لقد أرسلتُ جاريتي ... وقلتُ لها خُذِي حَذَرَكْ )
( وقُولي في مُلاطفةٍ ... لزينَب نَوِّلي عُمَرَكْ )
أخبرنا علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق عن الزبيري قال حدثني أبي عن سمرة الدوماني من حمير قال
إني لأطوف في بالبيت فإذا أنا بشيخ في الطواف فقيل لي هذا عمر بن أبي ربيعة فقبضت على يده وقلت له يابن أبي ربيعة قال ما تشاء قلت أكل ما قلته من شعرك فعلته قال إليك عني قلت أسألك بالله قال نعم وأستغفر الله
قال إسحاق وحدثني الهيثم بن عدي عن حماد الرواية أنه سئل عن شعر عمر بن أبي ربيعة فقال ذاك الفستق المقشر

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه قال
سمع الفرزدق شيئا من نسيب عمر فقال هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار ووقع هذا عليه قال وكان بالكوفة رجل من الفقهاء تجتمع إليه الناس فيتذاكرون العلم فذكر يوما شعر عمر بن أبي ربيعة فهجنه فقالوا له بمن ترضى ومر بهم حماد الراوية فقال قد رضيت بهذا فقالوا له ما تقول فيمن يزعم أن عمر بن أبي ربيعة لم يحسن شيئا فقال أين هذا اذهبوا بنا إليه قالوا نصنع به ماذا قال ننزو على أمه لعلها تأتي بمن هو أمثل من عمر
قال إسحاق وقال أبو المقوم الأنصاري ما عصي الله بشيء كما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة
قال إسحاق وحدثني قيس بن داود قال حدثني أبي قال سمعت عمر بن أبي ربيعة يقول لقد كنت وأنا شاب أُعْشَق ولا أَعْشَق فاليوم صرت إلى مداراة الحسان إلى الممات ولقد لقيتني فتاتان مرة فقالت لي إحداهما ادن مني يابن أبي ربيعة أسر إليك شيئا فدنوت منها ودنت الأخرى فجعلت تعضني فما شعرت بعض هذه من لذة سرار هذه
قال إسحاق وذكر عبد الصمد بن المفضل الرقاشي عن محمد بن فلان الزهري سقط اسمه عن إسحاق عن عبد الله بن مسلمة بن أسلم قال لقيت جريرا فقلت له يا أبا حزرة إن شعرك رفع إلى المدينة وأنا أحب أن تسمعني منه شيئا فقال إنكم يا أهل المدينة يعجبكم النسيب وإن أنسب الناس المخزومي يعني ابن أبي ربيعة

قال إسحاق وذكر محمد بن إسماعيل الجعفري عن أبيه عن خاله عبد العزيز بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال أشرف عمر بن أبي ربيعة على أبي قبيس وبنو أخيه معه وهم محرمون فقال لبعضهم خذ بيدي فأخذ بيده وقال ورب هذه البنية ما قلت لامرأة قط شيئا لم تقله لي وما كشفت ثوبا عن حرام قط قال ولما مرض عمر مرضه الذي مات فيه جزع أخوه الحارث جزعا شديدا فقال له عمر أحسبك إنما تجزع لما تظنه بي والله ما أعلم أني ركبت فاحشة قط فقال ما كنت أشفق عليك إلا من ذلك وقد سليت عني
قال إسحاق حدثني مصعب الزبيري قال قال مصعب بن عروة بن الزبير خرجت أنا وأخي عثمان إلى مكة معتمرين أو حاجين فلما طفنا في بالبيت مضينا إلى الحجر نصلي فيه فإذا شيخ قد فرج بيني وبين أخي فأوسعنا له فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال من أنتما فأخبرناه فرحب بنا وقال يا ابني أخي إني موكل بالجمال أتبعه وإني رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه ثم قام فسألنا عنه فإذا هو عمر بن أبي ربيعة
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الضحاك قال
عاش عمر بن أبي ربيعة ثمانين سنة فتك منها أربعين سنة ونسك أربعين سنة
قال الزبير وحدثني إبراهيم بن حمزة ومحمد بن ثابت عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال

حججت مع أبي وأنا غلام وعلي جمة فلما قدمت مكة جئت عمر بن أبي ربيعة فسلمت عليه وجلست معه فجعل يمد الخصلة من شعري ثم يرسلها فترجع على ما كانت عليه ويقول واشباباه حتى فعل ذلك مرارا ثم قال لي يابن أخي قد سمعتني أقول في شعري قالت لي وقلت لها وكل مملوك لي حر إن كنت كشفت عن فرج حرام قط فقمت وأنا متشكك في يمينه فسألت عن رقيقه فقيل لي أما في الحوك فله سبعون عبدا سوى غيرهم
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت مررت بجدك عبد الله بن مصعب وأنا داخلة منزله وهو بفنائه ومعي دفتر فقال ما هذا معك ودعاني فجئته وقلت شعر عمر بن أبي ربيعة فقال ويحك تدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة إن لشعره لموقعا من القلوب ومدخلا لطيفا لو كان شعر يسحر لكان هو فارجعي به قالت ففعلت
قال إسحاق وأخبرني الهيثم بن عدي قال
قدمت امرأة مكة وكانت من أجمل النساء فبينا عمر بن أبي ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه فدنا منها فكلمها فلم تلتفت إليه فلما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها فقالت له إليك عني يا هذا فإنك في حرم الله وفي أيام عظيمة الحرمة فألح عليها يكلمها حتى خافت أن يشهرها فلما كان في الليلة الأخرى قالت لأخيها اخرج معي يا أخي فأرني المناسك فإني لست أعرفها فأقبلت وهو معها فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها فتمثلت المرأة بقول النابعة

( تَعْدُو الذئابُ على مَنْ لا كِلاَبَ له ... وتَتّقي صَوْلَةَ المُسْتأسِدِ الحامي )
قال إسحاق فحدثني السندي مولى أمير المؤمنين أن المنصور قال وقد حدث بهذا الخبر وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلا سمعت بهذا الحديث
قال إسحاق قال لي الأصمعي عمر حجة في العربية ولم يؤخذ عليه إلا قوله
( ثم قالوا تُحِبُّها قلْتُ بَهْراً ... عَدَدَ الرَّمْلِ والحَصَى والتُّرابِ )
وله في ذلك مخرج إذ قد أتى به على سبيل الاخبار قال ومن الناس من يزعم أنه إنما قال
( قيل لي هل تُحبُّها قلت بهرا ... )
نسبة ما مضى من في هذه الأخبار من الأشعار التي قالها عمر بن أبي ربيعة وغنى فيها المغنون
إذ كانت لم تنسب هناك لطول شرحها
منها ما يغنى فيه من قوله

صوت

( أمِنْ آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ ... غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجِّرُ )
( لحاجةِ نفسٍ لم تَقُلْ في جَوَابِها ... فتُبْلِغَ عُذراً والمقالةُ تُعْذِرُ )
( أشارتْ بمِدْرَاهَا وقالت لأُختِها ... أهذا المُغِيريُّ الذي كان يُذْكَرُ )
( فقالتْ نعمْ لا شكَّ غيَّر لونَه ... سُرَى الليلِ يَطوِي نصَّه والتهجُّرُ )
( رأتْ رجلاً أمّا إذا الشمسُ عارضتْ ... فيَضْحَى وأمّا بالعشيّ فيَخْصَرُ )
( أخا سفرٍ جَوّابَ أرضٍ تقاذفتْ ... به فَلَواتٌ فَهْوَ أَشْعَثُ أغْبَرُ )
( وليلةَ ذي دَوْران جَشَّمْتِني السُّرَى ... وقد يَجْشَمُ الهولَ المُحِبُّ المغرِّرُ )
( فقلتُ أُباديهِم فإمَّا أفُوتُهم ... وإمّا يَنَالُ السيفُ ثأراً فيثْأرُ )
هذه الأبيات جمعت على غير توال لأنه إنما ذكر منها ما فيه صنعة غنى في الأول والثاني من الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن أحمد بن المكيّ

وذكر حبش أن فيهما لمعبد لحنا من الثقيل الأول بالبنصر وغنى ابن سريج في الثالث والرابع أيضا خفيف ثقيل بالوسطى وذكر حبش أن فيهما لحنا من الهزج بالوسطى لحكم وغنى ابن سريج في الخامس والسادس لحنا من الرمل بالوسطى عن عمرو بن بانة وذكر يونس أن في السابع والثامن لابن سريج لحنا ولم يذكر طريقته وذكر حبش أن فيهما لمالك لحنا من الثقيل الثاني بالبنصر
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني محمد بن إسحاق قال أخبرني محمد بن حبيب عن هشام بن الكلبي
أن عمر بن أبي ربيعة أتى عبد الله بن عباس وهو في المسجد الحرام فقال متعني الله بك إن نفسي قد تاقت إلى قول الشعر ونازعتني إليه وقد قلت منه شيئا أحببت أن تسمعه وتستره علي فقال أنشدني فأنشده
( أمِن آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ ... )
فقال له أنت شاعر يابن أخي فقل ما شئت قال وأنشد عمر هذه القصيدة طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري وهو راكب فوقف وما زال شانقا ناقته حتى كتبت له

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني الحسين بن إسماعيل قال حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال
كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال هذا شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد حتى أنشد قوله
( رأتْ رجُلاً أمّا إذا الشمسُ عارضَتْ ... فَيَضْحَى وأمّا بالعشِيّ فَيَخْصَرُ )
( قليلاً على ظَهر المطيَّة ظِلُّه ... سِوى ما نَفَى عنه الرداءُ المُحَبَّرُ )
( وأعجَبها من عَيشها ظِلُّ غُرفةٍ ... ورَيّانُ مُلتفُّ الحدائقِ أخضَرُ )
( وَوَالٍ كَفَاها كلَّ شيء يَهُمُّها ... فليستْ لشيءٍ آخر الليلِ تَسهَرُ )
فقال جرير ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد الله اليمامي قال حدثني الأصمعي قال
قال لي الرشيد أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوحه السفر فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة
( رأتْ رجلاً أمّا إذا الشمسُ عارضت ... فيضحَى وأمّا بالعشيّ فَيَخْصَرُ )
( أخا سَفَرٍ جَوّابَ أرضٍ تقاذفتْ ... به فَلَواتٌ فهو أَشْعَثُ أغبرُ )
الأبيات كلها قال فقال لي الرشيد أنا والله ذلك الرجل قال وهذا بعقب قدومه من بلاد الروم
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي قال حدثنا محمد ابن سلام قال أخبرني شعيب بن صخر قال

كان بين عائشة بنت طلحة وبين زوجها عمر بن عبيد الله بن معمر كلام فسهرت ليلة فقالت إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث يقول
( ووالٍ كَفاها كلَّ شيءٍ يَهُمُّها ... فليستْ لشيءٍ آخرَ الليل تَسْهَرُ )
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان قال حدثني إسحاق عن المدائني قال
عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرة فمر به رجل من أهل الشام معه ترس خلق سمج فنظر إليه يزيد وضحك وقال له ويحك ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك يريد قول عمر
( فكان مِجَنِّي دونَ مَنْ كنتُ أتَّقي ... ثلاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ ومُعْصِرُ )
أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال سمع أبو الحارث جميز مغنية تغني
( أشارت بِمِدْراها وقالت لأُختها ... أهذا المُغِيريّ الذي كان يُذكَرُ )
فقال جميز امرأته طالق إن كانت أشارت إليها بمدراها إلا لتفقأ بها عينه هلا أشارت إليه بنقانق مطرف بالخردل أو سَنْبُوسَجَة مغموسة في الخل أو

لَوْزِينَجَة شرقة بالدهن فإن ذلك أنفع له وأطيب لنفسه وأدل على مودة صاحبته
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد العزيز بن أبي أويس عن عطاف بن خالد الوابصي عن عبد الرحمن بن حرملة قال
أنشد سعيد بن المسيب قول عمر بن أبي ربيعة
( وغابَ قُمَيْرٌ كنتُ أرجو غُيُوبَه ... ورَوَّحَ رُعْيانٌ ونَوَّمَ سُمَّرُ )
فقال ما له قاتله الله لقد صغر ما عظم الله يقول الله عز و جل ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم )

شعر عمر في فاطمة الكندية

ومنها ما فيه غناء لم ينسب في موضعه من الأخبار فنسب هاهنا

صوت

( تَشِطُّ غداً دارُ جيرانِنا ... ولَلدَّارُ بعدَ غدٍ أبعدُ )
( إذا سَلَكَتْ غَمْرَ ذِي كِنْدَةٍ ... مع الصُّبْحِ قَصْدٌ لها الفَرْقَدُ )

( عِرَاقِيَّةٌ وتِهَامِي الهَوَى ... يَغُورُ بمكةَ أو يُنْجِدُ )
( وحَثَّ الحُدَاةُ بها عِيرَها ... سِرَاعاً إذا ما وَنَتْ تُطْرَدُ )
( هُنالِكَ إمّا تُعَزِّي الفؤادَ ... وإمّا على إِثْرِها تَكْمَدُ )
( وليستْ بِبِدْعٍ إذا دارُها ... نأتْ والعَزَاءُ إذاً أَجْلَدُ )
( صَرَمْتُ وواصلتُ حتّى علمتُ ... أين المَصادِرُ والمَوْرِدُ )
( وجَرَّبْتُ من ذاك حتّى عرفتُ ... ما أتوقّى وما أحمَدُ )
( فلما دَنَوْنا لجَرْسِ النُّبَاحِ ... والضوءِ والحيُّ لم يَرْقُدُوا )
( نأيْنَا عن الحَيِّ حتّى إذا ... تَوَدَّعَ من نارِها المَوْقِدُ )
( بَعَثْنا لها باغياً ناشِداً ... وفي الحيّ بُغْيِةُ مَنْ يَنْشُدُ )
( أتَتْنَا تَهَادَى على رِقْبَةٍ ... من الخوف أحشاؤها تُرْعَدُ )
( تقول وتُظْهِر وَجْداً بنا ... وَوَجْدِي وإن أظهرتْ أَوْجَدُ )
( لَمِمَّا شَقَائِي تَعَلَّقْتُكم ... وقد كان لي عندكُمْ مَقْعَدُ )
( وَكَفَّتْ سَوَابِقَ من عَبْرةٍ ... على الخَدِّ يَجْرِي بها الإِثْمدُ )
( فإنّ الّتي شَيَّعَتْنا الغَدَاةَ ... مع الفجرِ قلبي بها مُقْصَدُ )

( كأنَّ أَقَاحِيَّ مَوْلِيَّةً ... تَحَدَّرُ من ماء مُزْنٍ نَدِي )
غنى معبد في الأول والثاني والثالث من الأبيات خفيف ثقيل من أصوات قليلات الأشباه عن إسحاق وغنى فيها أشعب المعروف بالطامع ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي وللغريض في الأبيات الأربعة الأول ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو ولابن سريج في الرابع عشر وهو
( وكفَّتْ سوابقَ من عَبْرة ... )
ثم الأول والتاسع رمل بالوسطى عن ابن المكي ولمالك ويقال إنه لمعبد خفيف ثقيل في الرابع عشر والثالث عشر والأول عن الهشامي وفي السابع والثامن والأول لابن جامع ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وفي الأول والحادي عشر لابن سريج رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق وفيهما ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق ولم ينسبه إلى أحد وذكر أحمد بن المكي أنه لأبيه وفي الرابع والخامس رمل لمعبد عن ابن المكي وقيل إنه من منحول أبيه إلى معبد وفي الثالث عشر والسادس ليونس خفيف رمل عن الهشامي وفي الأول والثاني عشر ثاني ثقيل تشترك فيه الأصابع عن ابن المكي وقال أيضا فيه للأبجر لحن آخر من الثقيل الثاني ولمعبد في الرابع والسادس ثاني ثقيل آخر عنه وفيهما أيضا رمل لابن سريج عنه وعن حبش ولإسحاق في الأول والثاني رمل من كتابه ولعلية بنت المهدي في الثالث عشر والأول ثقيل أول ولابن

مسجح في الثاني عشر والأول رمل ويقال إنه للرطاب وذكر حبش أنه لابن سريج وفي الخمسة الأبيات الأولى متوالية خفيف رمل بالوسطى ينسب إلى معبد وإلى يحيى المكي وزعم حبش أن فيها رملا بالوسطى لابن محرز والذي ذكره يونس في كتابه أن في
( تَشُطُّ غداً دارُ جيرانِنا ... )
خمسة ألحان اثنان لمعبد واثنان لمالك وواحد ليونس وذكر أحمد بن عبيد أن الذي عرف صحته من الغناء فيه سبعة ألحان ثقيل أول وثاني ثقيل وخفيف ثقيل ورمل وخفيفه
أخبرني بعض أصحابنا عن أبي عبد الله بن المرزبان أن الذي أحصي فيه إلى وقته ستة عشر لحنا والذي وجدته فيه مما جمعته هاهنا سوى ما لم يذكر يونس طريقته تسعة عشر لحنا منها في الثقيل الأول لحنان وفي خفيف الثقيل لحنان وفي الثقيل الثاني ستة وفي الرمل سبعة وفي خفيف الرمل لحنان
وهذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من ولد الأشعث بن قيس حجت فهويها وراسلها فواصلته ودخل إليها وتحدث معها وخطبها فقالت أما

هاهنا فلا سبيل إلى ذلك ولكن إن قدمت إلى بلدي خاطبا تزوجتك فلم يفعل
أخبرني بهذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد ابن الحسن المخزومي عن محرز بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه قال
سمعت بديحا يقول حجت بنت محمد بن الأشعث الكندية فراسلها عمر بن أبي ربيعة ووعدها أن يتلقاها مساء الغد وجعل الآية بينه وبينها أن تسمع ناشداً ينشد إن لم يمكنه أن يرسل رسولا يعلمها بمصيره إلى المكان الذي وعدها قال بديح فلم أشعر به إلا متلثما فقال لي يا بديح ائت بنت محمد ابن الأشعث فأخبرها أني قد جئت لموعدها فأبيت أن أذهب وقلت مثلي لا يعين على مثل هذا فغيب بغلته عني ثم جاءني فقال لي قد أضللت بغلتي فانشدها لي في زقاق الحاج فذهبت فنشدتها فخرجت علي بنت محمد بن الأشعث وقد فهمت الآية فأتته لموعده وذلك قوله
( وآيةُ ذلكِ أن تسمَعي ... إذا جئتُكم ناشداً يَنْشُد )
قال بديح فلما رأيتها مقبلة عرفت أنه قد خدعني بنشدي البغلة فقلت له يا عمر لقد صدقت التي قالت لك
( فهذا سِحْرُكَ النِّسْوانَ ... قد خَبَّرْنَنِي خَبرَكْ )
قد سحرتني وأنا رجل فكيف برقة قلوب النساء وضعف رأيهن وما آمنك بعدها ولو دخلت الطواف ظننت أنك دخلته لبلية قال وحدثها بحديثي فما زالا

ليلتهما يفصلان حديثهما بالضحك مني
قال الزبير فحدثني أبو الهندام مولى الربعيين عن أبي الحارث بن عبد الله الربعي قال
لقي ابن أبي عتيق بديحا فقال له يا بديح أخدعك ابن أبي ربيعة أنه قرشي فقال بديح نعم وقد أخطأه ذلك عند القسري وصواحبه فقال ابن أبي عتيق ويحك يا بديح إن من تغابى لك ليغبى عنك فقد ضمت عليه قبضتك إن كان لك ذهن أما رأيت لمن كانت العاقبة والله ما بالى ابن أبي ربيعة أوقع عليهن أم وقعن عليه
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن كعب ابن بكر المحاربي أن فاطمة بنت محمد بن الأشعث حجت فراسلها عمر بن أبي ربيعة فواعدته أن تزوره فأعطى الرسول الذي بشره بزيارتها مائة دينار
أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله المذكورين قالوا
حجت بنت لمحمد بن الأشعث هكذا قال إسحاق وهو عندي الصحيح وكانت معها أمها وقد سمعت بعمر بن أبي ربيعة فأرسلت إليه فجاءها فاستنشدته فأنشدها
( تَشُطُّ غَداً دارُ جيرانِنا ... ولَلدّارُ بعدَ غدٍ أبعدُ )
وذكر القصة بطولها قال وقد كانت لما جاءها أرسلت بينها وبينه سترا رقيقا تراه

من ورائه ولا يراها فجعل يحدثها حتى استنشدته فأنشدها هذه القصيدة فاستخفها الشعر فرفعت السجف فرأى وجها حسنا في جسم ناحل فخطبها وأرسل إلى أمها بخمسمائة دينار فأبت وحجبته وقالت للرسول تعود إلينا فكأن الفتاة غمها ذلك فقالت لها أمها قد قتلك الوجد به فتزوجيه قالت لا والله لا يتحدث أهل العراق عني أني جئت ابن أبي ربيعة أخطبه ولكن إن أتاني إلى العراق تزوجته قال ويقال إنها راسلته وواعدته أن تزوره فأجمر بيته وأعطى المبشر مائة دينار فأتته وواعدته إذا صدر الناس أن يشيعها وجعلت علامة ما بينهما أن يأتيها رسوله ينشدها ناقة له فلما صدر الناس فعل ذلك عمر وفيه يقول وقد شيعها
صوت
( قال الخَلِيطُ غداً تَصَدُّعُنا ... أو بعدَه أفلا تُشَيِّعُنا )
( أمّا الرَّحيلُ فدونَ بعدِ غدٍ ... فمتى تقولُ الدارَ تَجْمَعُنا )
( لِتَشُوقَنا هندٌ وقد علمتْ ... علماً بأنّ البين يُفْزِعُنا )
( عجباً لمَوْقفنا وموقِفها ... وبسَمْعِ تِرْبَيْها تُرَاجِعُنا )
( وَمَقالِها سِرْ ليلةً معنا ... نَعْهَدْ فإنّ البينَ فاجِعُنا )
( قلتُ العيونُ كثيرةٌ معكم ... وأظنُّ أنَّ السَّيْرَ مانِعُنا )

( لا بل نَزورُكُم بأرضكُم ... فيُطاعُ قائلُكم وشافِعُنا )
( قالتْ أشيءٌ أنت فاعلُه ... هذا لعَمْرُك أم تُخادِعُنا )
( بالله حَدِّثْ ما تُؤمِّلُه ... واصدُقْ فإنّ الصِّدْق واسعُنا )
( إِضْرِبْ لنا أجَلاً نَعُدُّ له ... إخْلاَفُ مَوْعِده تَقَاطُعُنا )
الغناء لابن سريج ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر عمرو أنه للغريض بالوسطى وفيه لابن سريج خفيف رمل عن الهشامي وذكر حبش أنه لموسى شهوات

شعر عمر في زينب الجمحية

ومنها مما لم ينسب أيضا

صوت

( لقد أرْسلتُ جاريتي ... وقلتُ لها خُذِي حَذَرَكْ )
( وقُولِي في مُلاطفةٍ ... لزينبَ نَوِّلي عُمَرَكْ )
( فَهزَّتْ رأسَها عجباً ... وقالت مَنْ بِذَا أَمَركْ )
( أهذا سِحْرُكَ النِّسوانَ ... قد خبَّرنَنِي خَبَرَكْ )
غنى فيها ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن عمرو وقال قوم إنه للغريض وفيها لمالك خفيف ثقيل عن ابن المكي وفي هذا الشعر ألحان كثيرة والشعر فيها على غير هذه القافية لأن هذه الأبيات لعمر من قصيدة رائية موصولة الراءات بألف إلا أن المغنين غيروا هذه الأبيات في هذين اللحنين

فجعلوا مكان الألف كافا وإنما هي
( لقد أرسلتُ جاريتي ... وقلتُ لها خُذي حَذَرَا )
وأول القصيدة
صوت
( تَصَابَى القلبُ وادَّكَرا ... صِبَاهُ ولم يكن ظَهرا )
( لزينبَ إذ تُجِدُّ لنا ... صفاءً لم يكن كَدِرا )
( أليستْ بالتي قالتْ ... لمولاةٍ لها ظُهُرَا )
( أَشِيري بالسَّلامِ له ... إذا هُوَ نحوَنا خَطَرا )
( لقد أَرْسلتُ جاريتي ... وقلتُ لها خُذِي حَذَرا )
( وقُولي في مُلاطفةٍ ... لزينبَ نوِّلي عُمَرا )
( فهَزَّتْ رأسَها عجباً ... وقالت مَنْ بِذَا أمَرا )
( أهذا سِحْرُكَ النسوانَ ... قد خبَّرْنني الخبرَا )
غنى ابن سريج في الثالث والرابع والخامس والأول خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق وذكر عمرو بن بانة في نسخته الأولى أنه لابن سريج وأبو إسحاق ينسبه في نسخته الثانية إلى دحمان وللغريض في الأول من الأبيات لحن من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالوسطى في مجراها أضاف إليه بيتين ليسا من هذه القصيدة وهما

( طَرِبتَ وَرَدَّ مَنْ تَهوَى ... جِمالُ الحَيِّ فابتَكرا )
( فقُلْ للمالكيَّةِ لا ... تلومي القلبَ إن جَهَرا )
وذكر يونس أن لمعبد في هذا الشعر الذي أوله
( تَصَابَى القلبُ وادّكرا ... ) لحنين لم يذكر جنسيهما وذكر الهشامي أن أحدهما خفيف ثقيل والآخر رمل وفي الأبيات التي غنى فيها الغريض رمل لدحمان عن الهشامي قال ويقال إنه لابنة الزبير وزينب التي ذكرها عمر بن أبي ربيعة هاهنا يقال لها زينب بنت موسى أخت قدامة بنت موسى الجمحي
أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامري وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال حدثني عمي عمران بن عبد العزيز قال
شبب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحية في قصيدته التي يقول فيها

صوت

( يا خَلِيليَّ مِنْ مَلامٍ دَعَانِي ... وأَلِمَّا الغَدَاةَ بالأَظْعانِ )
( لا تلومَا في آل زينَب إنّ القلبَ ... رَهْنٌ بآلِ زينبَ عانِي )
( ما أَرَى ما بقيتُ أنْ أذكُر الموقِفَ ... منها بالخَيْفِ إلاّ شجانِي )

غنى في هذه الأبيات الغريض خفيف رمل بالبنصر عن عمرو
( لم تَدَعْ للنساءِ عندِيَ حظًّا ... غيرَ ما قلتُ مازِحاً بلساني )
( هي أهلُ الصَّفَاء والوُدِّ منِّي ... وإليها الهَوَى فلا تَعْذُلاني )
( حين قالت لأُختها ولأُخرى ... من قَطينٍ مُوَلَّدٍ حَدِّثاني )
( كيفَ لي اليومَ أن أَرَى عُمَرَ المُرْسِلَ ... سِراًّ في القول أن يَلْقَانِي )
( قالتَا نَبْتَغِي رسولاً إليه ... ونُميتُ الحديثَ بالكِتمانِ )
( إنّ قلبي بعدَ الذي نِلْتُ منها ... كالمُعَمَّى عن سائر النِّسْوانِ )
قال وكان سبب ذكره لها أن ابن أبي عتيق ذكرها عنده يوما فأطراها ووصف من عقلها وأدبها وجمالها ما شغل قلب عمر وأماله إليها فقال فيها الشعر وشبب بها فبلغ ذلك ابن أبي عتيق فلامه فيه وقال له أتنطق الشعر في ابنة عمي فقال عمر
صوت
( لا تَلُمْنِي عتيقُ حَسْبِي الذي بي ... إنّ بي يا عتيقُ ما قد كَفَانِي )
( لا تَلُمْنِي وأنتَ زَيَّنْتَها لي ... أنتَ مثلُ الشيطانِ للإِنسانِ )
( إنّ بي داخلاً من الحبّ قد أَبْلَى ... عِظَامي مكنونُهُ وبَرَانِي )
( لو بعينيكَ يا عتيقُ نَظَرْنا ... ليلةَ السَّفْح قَرَّتِ العينانِ )
( إذا بدا الكَشْحُ والوِشاحُ من الدُّرّ ... وَفَصْلٌ فيه من المَرْجانِ )

( قد قَلَى قلبيَ النساءَ سواها ... غيرَ ما قلتُ مازحاً بلساني )
وأول هذه القصيدة
( إنَّني اليومَ عاد لي أحزاني ... وتَذكَّرتُ ما مضَى من زماني )
( وتَذكَّرتُ ظبيةً أُمَّ رِئمٍ ... هاج لي الشوقَ ذِكرُها فشجاني )
غنى أبو العبيس بن حمدون في لا تلمني عتيق لحنا من الثقيل الأول المطلق وفيه رمل طُنْبُورِيٌّ مجهول
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال
أنشد عمر بن أبي ربيعة قوله
( يا خليليَّ من ملامٍ دعاني ... وألِمَّا الغداةَ بالأَظْعانِ )
( لا تلومَا في آل زينَب إنّ القَلبَ ... رَهْنٌ بآل زينبَ عانِي )
القصيدة قال فبلغ ذلك أبا وداعة السهمي فأنكره وغضب وبلغ ذلك ابن أبي عتيق وقيل له إن أبا وداعة قد اعترض لابن أبي ربيعة من دون زينب بنت موسى وقال لا أقر لابن أبي ربيعة أن يذكر امرأة من بني هصيص في شعره فقال ابن أبي عتيق لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ من سمرقند على أهل عدن

قال الزبير وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال حدثني عمي عمران بن عبد العزيز قال شبب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى في أبياته التي يقول فيها
( لا تلوما في آل زيِنبَ إنّ القلبَ ... رهنٌ بآل زينبَ عاني ) فقال له ابن أبي عتيق أما قلبك فقد غيب عنا وأما لسانك فشاهد عليك
قال عبد الرحمن بن عبد الله قال عمران بن عبد العزيز عذل ابن أبي عتيق عمر في ذكره زينب في شعره فقال عمر
( لا تَلُمْني عتيقُ حَسْبِي الذي بي ... إنّ بي يا عَتيقُ ما قد كفاني )
( لا تلمني وأنت زينتها لي ... )
قال فبدره ابن أبي عتيق فقال
( أنَت مثلُ الشيطان للإِنسانِ ... ) فقال ابن أبي ربيعة هكذا ورب البيت قلته فقال ابن أبي عتيق إن شيطانك ورب القبر ربما ألم بي فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته فيصيب مني وأصيب منه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال حدثني قدامة بن موسى قال
خرجت بأختي زينب إلى العمرة فلما كنت بسرف لقيني عمر بن أبي

ربيعة على فرس فسلم علي فقلت له إلى أين أراك متوجها يا أبا الخطاب فقال ذكرت لي امرأة من قومي برزة الجمال فأردت الحديث معها فقلت هل علمت أنها أختي فقال لا واستحيا وثنى عنق فرسه راجعا إلى مكة
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن لقيط بن بكر المحاربي قال
أنشدني ابن أبي عتيق قول عمر

صوت

( مَنْ لسَقِيمٍ يكتُم الناسَ ما به ... لزينبَ نَجْوَى صدرِه والوَساوِسُ )
( أقولُ لمن يَبْغِي الشِّفاءَ متى تَجِىْء ... بزينبَ تُدرِكْ بعضَ ما أنتَ لامِسُ )
( فإنّكَ إن لم تَشْفِ من سَقَمِي بها ... فإِنِّيَ من طِبِّ الأطبَّاء آيِسُ )
( ولستُ بناسٍ ليلةَ الدار مجلساً ... لزينبَ حتى يَعْلُوَ الرأسَ رَامِسُ )
( خَلاَءً بَدَتْ قَمْراؤُه وتَكشَّفَتْ ... دَجُنَّتُه وغابَ مَنْ هو حارِسُ )
( وما نِلتُ منها مَحْرَماً غير أنّنا ... كِلانا من الثوبِ المورَّدِ لابِسُ )
( نَجِيَّيْنِ نَقْضِي اللهوَ في غير مَأْثمٍ ... وإن رَغِمَتْ مِ الكاشِحِينَ المَعَاطِسُ )

قال فقال ابن أبي عتيق أمنا يسخر ابن أبي ربيعة فأي محرم بقي ثم أتى عمر فقال له يا عمر ألم تخبرني أنك ما أتيت حراما قط قال بلى قال فأخبرني عن قولك
( كِلاَنا من الثَّوْبِ المورَّد لابسُ ... ) ما معناه قال والله لأخبرنك خرجت أريد المسجد وخرجت زينت تريده فالتقينا فاتعدنا لبعض الشعاب فلما توسطنا الشعب أخذتنا السماء فكرهت أن يرى بثيابها بلل المطر فيقال لها ألا استترت بسقائف المسجد أن كنت فيه فأمرت غلماني فسترونا بكساء خز كان علي فذلك حين أقول
( كلانا مِنَ الثوب المَطَارِفِ لابسُ ... )
فقال له ابن أبي عتيق يا عاهر هذا البيت يحتاج إلى حاضنة
الغناء في هذه الأبيات التي أولها
( مَنْ لِسَقِيم يكتُم النّاسَ ما به ... )
لرذاذ ثقيل أول وكان بعض المحدثين ممن شاهدناه يدعي أنه له ولم يصدق
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال
قال عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى

الصبي العاشق

صوت

( طال من آل زينبَ الإِعراضُ ... للتعدِّي وما بها الإِبغاضُ )
( ووَليَديْنِ كان عُلِّقَها القلبُ ... إلى أن علا الرؤوسَ بياضُ )
( حبلُها عندَنا متينٌ وحَبْلي ... عندها واهِنُ القُوَى أَنْقَاضُ )
الغناء في هذه الأبيات لابن محرز خفيف رمل بالبنصر عن عمرو وقال الهشامي فيه لابن جامع خفيف رمل آخر
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال عبد الرحمن بن عبد الله وحدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه قال
لما قال عمر بن أبي ربيعة في زينب
( لم تَدَعْ للنساء عندي نصيباً ... غيرَ ما قلتُ مازحاً بلساني )

قال له ابن أبي عتيق رضيت لها بالمودة وللنساء بالدَّهْفَشَة قال والدهفشة التَّجْميشُ والخديعة بالشيء اليسير وقال غير الزبير في هذا الخبر الدهقشة مكان الدهفشة

عمر يقول في زينت

صوت

( أيُّها الكَاشِحُ المعيِّر بالصُّرْمِ ... تَزَحْزَحْ فما لها الهِجْرَانُ )
( لا مُطَاعٌ في آل زينبَ فارجعْ ... أو تَكلَّمْ حتّى يَمَلَّ اللِّسانُ )
( نجعلُ الليلَ موعِداً حينَ نُمْسِي ... ثم يُخْفِي حديثَنا الكِتْمانُ )
( كيفَ صَبْرِي عن بعض نَفْسِي وهل يَصْبِرُ ... عن بعضِ نفسه الإِنسانُ )
( ولقد أشهَدُ المحدَّثَ عند القَصْر ... فيه تَعَفُّفٌ وبَيَانُ )
( في زمانٍ من المعيشة لَدْنٍ ... قد مضى عَصْرُه وهذا زمانُ )
الغناء في هذه الأبيات لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو ودنانير وذكر يونس

أن فيه لحنا لابن محرز ولحنا لابن عباد الكاتب أول لحن ابن عباد الكاتب
( لا مُطَاعٌ في آل زينبَ ... )
وأول لحن ابن محرز
( ولقد أشهد المحدَّث ... )
ومما غني فيه لابن محرز من أشعار عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى قوله
صوت
( يا مَنْ لقلبٍ مُتَيَّمٍ كَلِف ... يَهْذِي بخَوْدٍ مريضةِ النَّظَرِ )
( تمشي الهُوَيْنَى إذا مشتْ فُضُلاً ... وهْيَ كمِثْلِ العُسْلُوج في الشَّجَرِ )
للغريض في هذين البيتين خفيف رمل بالوسطى ولابن سريج رمل بالبنصر عن الهشامي وحبش

براعة الوصف عند عمر

( ما زال طَرْفِي يحَار إذ بَرَزَت ... حتى رأيتُ النقصانَ في بَصري )
( أبصرتُها ليلةً ونسْوَتَها ... يَمْشين بين المَقَامِ والحَجَرِ )

( ما إن طمِعْنا بها ولا طَمِعَتْ ... حتّى التقينا ليلاً على قَدر )
( بِيضاً حساناً خَرَائِداً قُطُفاً ... يَمْشِينَ هَوْناً كمِشْية البقر )
( قَد فُزْنَ بالحسن والجَمال معاً ... وفُزَن رسْلاً بالدَّلِّ والخَفَرِ )
( يُنْصِتْنَ يوماً لها إذا نطقتْ ... كيْما يُشَرِّفْنها على البَشَرِ )
( قالت لتربٍ لها تُحَدّثها ... لنُفْسِدَنّ الطَّوَافَ في عُمر )
( قُومِي تَصَدَّيْ له ليعرفنا ... ثم اغمِزيه يا أُخت في خَفَرِ )
( قالت لها قد غمزتهُ فأبى ... ثم اسْبَطَّرتْ تسعَى على أَثري )
( من يُسْقَ بعد المنامِ ريقتَها ... يُسْقَ بمِسْكٍ وباردٍ خَصِر )
غنى في هذا الشعر الغريض خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وغنى فيه

ابن سريج رملا بالبنصر عن الهشامي وحبش
ومنها

خيال زينب الجمحية يقض مضجع عمر

صوت

( ألا يا بَكْرُ قد طَرَقا ... خيالٌ هاج لي الأرقَا )
( لزينبَ إنها همِّي ... فكيفَ بحبلها خَلَقا )
( خَدَلَّجةٌ إذا انصرفتْ ... رأيتَ وِشَاحَها قَلِقَا )
( وسَاقاً تمْلأ الخَلْخالَ ... فيه تَراه مُخْتَنِقا )
( إذا ما زينبٌ ذُكِرَتْ ... سكَبتُ الدمع مُتَّسقا )
( كأنَّ سحابةً تَهْمِي ... بماءٍ حُمَّلَتْ غَدَقَا )
الغناء لحنين رمل عن الهشامي وفيه لابن عباد خفيف ثقيل ويقال إنه ليونس ومما قاله فيها أيضا وغنى فيه

عمر يغالي في مدح نفسه على لسان زينب

صوت

( ألْمِمْ بزينبَ إنّ البَيْنَ قد أَفِدَا ... قَلَّ الثَّواءُ لَئِن كان الرَّحيلُ غَدَا )
( قد حَلَفتْ ليلةَ الصَّوْرَينِ جاهدة ... وما على المرءِ إلا الحِلْفُ مجتهِدَا )
( لأُختها ولأخرى من مَنَاصِفِها ... لقد وَجدتُ به فوقَ الذي وَجَدا )
( لو جُمِّعَ الناسُ ثم اختير صَفْوهُمُ ... شخصاً من الناس لم أعدِلْ به أحدا )
الغناء لابن سريج رمل بالسبابة والبنصر في الأول والثاني عن يحيى المكي وله فيه أيضا خفيف رمل بالوسطى في الثاني والثالث والرابع عن عمرو
ولمعبد ثقيل أول في الأول والثاني عن الهشامي وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى الغريض ومالك
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن مصعب الزبيري قال
اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه ومجلسه وحديثه فتشوقن إليه وتمنينه فقالت سكينة أنا لكن به فبعثت إليه رسولا أن يوافي الصورين ليلة سمتها فوافاهن على رواحله فحدثهن حتى طلع الفجر وحان انصرافهن فقال لهن والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر النبي والصلاة في مسجده ولكني لا أخلط بزيارتكن شيئا ثم انصرف إلى مكة وقال في ذلك
( ألمِمْ بزينبَ إنّ البينَ قد أفدا ... )

وذكر الأبيات المتقدمة
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال أنشد جرير قول عمر بن أبي ربيعة

عمر يصيب شعره ما أخطأ الآخرون

صوت

( سَائِلاَ الربعَ بالبُليّ وقُولا ... هِجْتَ شوقاً لي الغداةَ طويلا )
( أين حَيٌّ حَلُّوكَ إذ أنت مَحْفُوفٌ ... بهم آهِلٌ أراكَ جَمِيلا )
( قال سَارُوا فأَمْعَنُوا واسْتَقلُّوا ... وبرَغْمِي لو استطعتُ سبيلا )
( سئمُونا وما سئمنا مُقَاماً ... وأحبُّوا دماثَة وسُهُولا )
فقال جرير إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه وأصابه هذا القرشي وفي هذه الأبيات رملان أحدهما لابن سريج بالسبابة في مجرى الوسطى والآخر لإسحاق مطلق في مجرى البنصر جميعا من روايته وذكر عمرو أن فيها رملا ثالثا بالوسطى لابن جامع وقال الهشامي فيها ثلاثة أرمال لابن سريج وابن جامع وإبراهيم ولأبي العبيس بن حمدون فيها ثاني ثقيل وفيها هزج

لإبراهيم الموصلي من جامع أغانيه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال وجدت كتابا بخط محمد بن الحسن ذكر فيه أن فليح بن إسماعيل حدثه عن معاذ صاحب الهروي أن النصيب قال
عمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال
أخبرني الطوسي قال حدثنا الزبير قال حدثتني ظمياء مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت سمعت جدك يقول وقد أنشد قول عمر بن أبي ربيعة

سلام بن الغساني يغني لعمر

صوت

( يا ليتني قد أَجَزْتُ الحبلَ نَحْوَكُمُ ... حَبْلَ المُعَرَّفِ أو جاوزت ذا عُشَرِ )
( إنّ الثَّوَاءَ بأرضٍ لا أراكِ بها ... فاسْتيقنيه ثَواءٌ حَقُّ ذي كَدَرِ )
( وما مَلِلْتُ ولكن زاد حُبُّكُمُ ... وما ذكرتُكِ إلا ظَلْتُ كالسَّدِرِ )
( ولا جَذِلْتُ بشيءٍ كان بعدَكُمُ ... ولا مَنَحْتُ سواكِ الحبَّ من بَشَر )
الغناء في هذه الأربعة الأبيات لسلام بن الغساني رمل بالسبابة في مجرى

الوسطى عن إسحاق وفيه لابن جامع وقفا النجار لحنان من كتاب إبراهيم ولم يجنسهما وتمام الأبيات
( أَذْرِي الدموعَ كذي سُقْم يُخَامِرُه ... وما يُخامرني سُقْم سوى الذِّكر )
( كم قد ذكرتُكِ لو أَجْدَى تذكُّركُمْ ... يا أشبهَ الناسِ كلِّ الناسِ بالقمرِ )
قالت فقال جدك إن لشعر عمر بن أبي ربيعة لموقعا في القلب ومخالطة للنفس ليسا لغيره ولو كان شعر يسحر لكان شعره سحرا
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمامة بن عمر قال رأيت عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير يسأل المسور بن عبد الملك عن شعر عمر بن أبي ربيعة فجعل يذكر له شيئا لا يعرفه فيسأله أن يكتبه إياه فيفعل فرأيته يكتب ويده ترعد من الفرح

ابن أبي عتيق يقول رأيه في شعر عمر

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عمه يوسف قال
ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمر بن أبي ربيعة عن ابن أبي عتيق في مجلس رجل من ولد خالد بن العاصي بن هشام فقال صاحبنا يعني الحارث

ابن خالد أشعرهما فقال له ابن أبي عتيق بعض قولك يابن أخي لشعر عمر بن أبي ربيعة نوطة في القلب وعلوق بالنفس ودرك للحاجة ليست لشعر وما عصي الله جل وعز بشعر أكثر مما عصي بشعر ابن أبي ربيعة فخذ عني ما أصف لك أشعر قريش من دق معناه ولطف مدخله وسهل مخرجه ومتن حشوه وتعطفت حواشيه وأنارت معانيه وأعرب عن حاجته فقال المفضل للحارث أليس صاحبنا الذي يقول
( إنِّي وما نَحَرُوا غَدَاةَ مِنىً ... عند الجِمَار يؤودها العَقْل )
( لو بُدِّلَتْ أعلَى مساكِنها ... سُفْلاً وأصبح سُفْلُها يَعْلُو )
( فَيَكادُ يعرِفها الخَبِيرُ بها ... فَيُردُّه الإِقْواءُ والمَحْلُ )
( لعَرفْتُ مَغْنَاها بما احتمَلَتْ ... منِّي الضلوعُ لأهلها قَبْلُ )
فقال له ابن أبي عتيق يابن أخي استر على نفسك واكتم على صاحبك

ولا تشاهد المحافل بمثل هذا أما تطير الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله ما بقي إلا أن يسأل الله تبارك وتعالى لها حجارة من سجيل ابن أبي ربيعة كان أحسن صحبة للربع من صاحبك وأجمل مخاطبة حيث يقول
( سائلاَ الربعَ بالبُلَيِّ وقولاَ ... هِجْتَ شوقاً لِيَ الغداةَ طويلا )
وذكر الأبيات الماضية قال فانصرف الرجل خجلا مذعنا
أخبرني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق عن رجاله المسمين وأخبرني به الحرمي عن الزبير عن عمه عن جده قالوا
كان الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة رجلا صالحا دينا من سروات قريش وإنما لقب القباع لأن عبد الله بن الزبير كان ولاه البصرة فرأى مكيالا لهم فقال إن مكيالكم هذا لقباع قال وهو الشيء الذي له قعر فلقب بالقباع
وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان وأحمد بن عبد العزيز الجوهري

وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد الطائي قال حدثنا خالد بن سعيد قال

أبو الأسود الدؤلي يهجو الحارث بن عبد الله

استعمل ابن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة فأتوه بمكيال لهم فقال لهم إن مكيالكم هذا لقباع فغلب عليه وقال أبو الأسود الدؤلي وقد عتب عليه يهجوه ويخاطب ابن الزهير
( أميرَ المؤمنين جُزِيْتَ خيراً ... أرِحْنَا من قُبَاع بني المُغِيرهْ )
( بَلَوْناه ولُمْنَاه فأعْيَا ... علينا ما يُمِرُّ لنا مرِيرَهْ )
( على أنّ الفتى نِكْحٌ أكولٌ ... ووَلاَّجٌ مذاهبُه كثيرهْ )
قالوا وكان الحارث ينهى أخاه عن قول الشعر فيأبى أن يقبل منه فأعطاه ألف دينار على ألا يقول شعرا فأخذ المال وخرج إلى أخواله بلحج وأبين مخافة أن يهيجه مقامه بمكة على قول الشعر فطرب يوم فقال

صوت

( هيهاتَ من أمَةِ الوَهَّاب منزلُنا ... إذا حَلَلْنا بسيفِ البحر من عَدَنِ )
( واحتلَّ أهلُكِ أجْياداً وليس لنا ... إلا التذكُّرُ أو حظٌّ من الحَزَنِ )

( لو أنَها أبصرتْ بالجَزْع عَبْرتَه ... من أنْ يُغَرِّد قُمْرِيٌّ على فَنَنِ )
( إذاً رأتْ غير ما ظنَّتْ بصاحبها ... وأيقنتْ أنّ لحجاً ليس من وطَني )
( ما أنْسَ لا أَنْسَ يومَ الخَيْفِ موقفَها ... وموقفي وكلانا ثَمَّ ذو شجَنِ )
( وقولَها للثُّريَّا وهي باكيةٌ ... والدمع منها على الخدّين ذو سُنَن )
( بالله قُولِي له في غير مَعْتَبَةٍ ... ماذا أردتَ بطول المُكْث في اليمنِ )
( إن كنتَ حاولتَ دنيا أو ظَفِرْتَ بها ... فما أخذتَ بتْرك الحج من ثمنِ )
قال فسارت القصيدة حتى سمعها أخوه الحارث فقال هذا والله شعر عمر قد فتك وغدر قال وقال ابن جريج ما ظننت أن الله عز و جل ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشدا ينشد قوله
( بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردتَ بطول المكث في اليمنِ )
( إن كنتَ حاولتَ دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذتَ بترك الحج من ثمنِ )
فحركني ذلك على الرجوع إلى مكة فخرجت مع الحاج وحججت
غنى في أبيات عمر هذه ابن سريج ولحنه رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق وفيها للغريض ثقيل أول بالوسطى عن عمرو

الوليد بن عبد الملك يسأل عمر عن سبب الأثر الذي في منكبه

أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان قال حدثني إسحاق عن السعدي قال قدم الوليد بن عبد الملك مكة فأراد أن يأتي الطائف فقال
هل لي في رجل علم بأموال الطائف فيخبرني عنها فقالوا عمر بن أبي ربيعة قال لا حاجة لي به ثم عاد فسأل فذكروه له فرده ثم عاد فسأل فذكروه له ثم رده ثم عاد فسأل فذكروه له فقال هاتوه فركب معه يحدثه ثم حرك عمر رداءه ليصلحه على كتفه فرأى على منكبه أثرا فقال ما هذا الأثر فقال كنت عند جارية إذ جاءتني جارية برسالة من عند جارية أخرى فجعلت تسارني فغارت التي كنت أحدثها فعضت منكبي فما وجدت ألم عضها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني حتى بلغت ما ترى والوليد يضحك فلما رجع عمر قيل له ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به فقال ما زلنا في حديث الزنا حتى رجعنا
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن عبد الله البكري وغيره عن عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه قال
دخلت مسجد رسول الله مع نوفل بن مساحق فإنه لمعتمد على

يدي إذ مررنا بسعيد بن المسيب في مجلسه وحوله جلساؤه فسلمنا عليه فرد علينا ثم قال لنوفل يا أبا سعيد من أشعر صحابنا أم صاحبكم يريد عبد الله ابن قيس أو عمر بن أبي ربيعة فقال نوفل حين يقولان ماذا يا أبا محمد قال حين يقول صاحبنا
( خليليّ ما بال المَطايا كأنَّما ... نَرَاها على الأَدْبَار بالقوم تَنْكِصَ )
( وقد قُطِعَتْ أعناقُهن صَبَابةً ... فأنفُسُنا مما يُلاقِينَ شخَّصُ )
( وقد أتعبَ الحادي سُراهُنَّ وانْتَحَى ... بِهِنّ فما يَأْلُو عَجولٌ مُقَلِّصُ )
( يَزِدْنَ بنا قرباً فيزدادُ شَوْقُنا ... إذا زاد طولُ العهد والبعدُ يَنْقُصُ )
ويقول صاحبك ما شئت فقال له نوفل صاحبكم أشعر في الغزل وصاحبنا أكثر أفانين شعر فقال سعيد صدقت فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر جعل سعيد يستغفر الله ويعقد بيده حتى وفى مائة فقال البكري في حدثيه عن عبد الجبار قال مسلم فلما انصرفنا قلت لنوفل أتراه استغفر الله من إنشاد الشعر في مسجد رسول الله فقال كلا هو كثير الإنشاد والاستنشاد للشعر فيه ولكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه

الوليد بن يزيد يفضل غزل عمر على غزل جميل بن معمر

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة

حدثنا عوانة بن الحكم وأبو يعقوب الثقفي أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة أي بيت قالته العرب أغزل فقال بعضهم قول جميل
( يموتُ الهوى منِّي إذا ما لَقِيتُها ... ويَحْيا إذا فارقتُها فيعودُ )
وقال آخر قول عمر بن أبي ربيعة
( كأنَّني حينَ أُمْسِي لا تُكلِّمُنِي ... ذُو بُغْيةٍ يَبْتَغِي ما ليس موجودا )
فقال الوليد حسبك والله بهذا
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن عبد الحميد عن شيخ من أهله عن أبي الحارث مولى هشام بن الوليد بن المغيرة قال وهو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة
( يا أبا الحارثِ قلبي طائرٌ ... فأْتَمِرْ أمرَ رَشيدٍ مُؤْتَمنْ )
قال شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميل بن عبد الله بن معمر العذري وقد اجتمعا بالأبطح فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها

( لقد فَرِحَ الوَاشُونَ أنْ صَرَمَتْ حبلِي ... بُثَينةُ أو أبدتْ لنا جانبَ البُخْلِ )
( يقولون مَهْلاً يا جميلُ وإِنَّني ... لأُقْسِمُ مالي عن بُثَيْنَةَ من مَهْلِ )
حتى أتى على آخرها ثم قال لعمر يا أبا الخطاب هل قلت في هذا الروي شيئا قال نعم قال فأنشدنيه فأنشده قوله
( جَرَى ناصحٌ بالوُدِّ بيني وبينَها ... فَقرَّبنِي يومَ الحِصَابِ إلى قَتْلِي )
( فطارتْ بحَدٍّ من فؤادي وقارنتْ ... قرينتُها حبلَ الصَّفَاء إلى حبلي )
( فلمّا تَوَاقَفْنا عرفتُ الذي بها ... كمثل الذي بي حَذْوَكَ النعلَ بالنعلِ )
( فقُلْنَ لها هذا عِشَاءٌ وأهلُنا ... قريبٌ ألَمَّا تَسْأَمي مَركَبَ البَغْل )
( فقالتْ فما شئِتُنّ قلن لها انزِلي ... فلَلأَرضُ خيرٌ من وقوفٍ على رَحْلِ )
( نُجومٌ دَراريٌّ تَكَنَّفْنَ صورةً ... من البدر وافتْ غيرَ هُوجٍ ولا عُجْلِ )
( فسلَّمْتُ واْستأنستُ خِيفَةَ أن يَرى ... عدوُّ مُقَامِي أو يَرى كاشحٌ فِعْلِي )
( فقالتْ وأرْخَتْ جانبَ السِّتْر إنّما ... معي فَتَكَّلَّمْ غيرَ ذي رِقْبَةٍ أَهْلِي )
( فقلتُ لها ما بي لهم من تَرَقُّبٍ ... ولكنّ سِرِّي ليس يَحْمِلُه مثلي )
( فلمّا اقتصرْنا دونهنّ حديثَنا ... وهُنّ طَبيبَاتٌ بحاجة ذي الشِّكْلِ )
( عَرَفْنَ الذي تَهْوَى فقلنَ ائذَنِي لنا ... نَطُفْ ساعةً في بَرْدِ ليلٍ وفي سَهْلِ )

( فقالتْ فلا تَلْبَثْنَ قُلْنَ تَحَدَّثِي ... أتينَاكِ وانْسَبْنَ انسِيَابَ مَهَا الرَّمْلِ )
( وقُمْنَ وقد أفهمْنَ ذا اللُّبِّ أنّما ... أَتَيْنَ الذي يَأْتِينَ من ذاك من أَجْلي )
فقال جميل هيهات يا أبا الخطاب لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي والله ما يخاطب النساء مخاطبتك أحد وقام مشمرا
قال أبو عبد الله الزبير قال عمي مصعب كان عمر يعارض جميلا فإذا قال هذا قصيدة قال هذا مثلها فيقال إنه في الرائية والعينية أشعر من جميل وإن جميلا أشعر منه في اللامية وكلاهما قد قال بيتا نادرا ظريفا قال جميل
( خليليَّ فيما عِشْتُما هل رأيتُما ... قتيلاً بكى من حبِّ قاتِله قبلي )
وقال عمر
( فقالتْ وأرختْ جانبَ السِّتْر إنّما ... معي فتكلّم غيرَ ذي رِقْبةٍ أهلي )

الفرزدق يشهد لعمر

أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن المدائني قال سمع الفرزدق عمر بن أبي ربيعة ينشد قوله
( جَرَى ناصحٌ بالوُدِّ بيني وبينها ... فقرّبني يوم الحِصابِ إلى قتلي )

ولما بلغ قوله
( فَقُمْنَ وقد أفهمنَ ذا اللبّ أنما ... أَتَيْنَ الذي يأتينَ من ذاك من أجلي )
صاح الفرزدق هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته وبكت على الديار

نسبة ما في هذه الأشعار من الغناء

منها في قصيدة جميل التي أنشدها عمر واستنشده ماله في وزنها

صوت

( خليليَّ فيما عشْتُما هل رأيتُما ... قتيلاً بكى من حبِّ قاتِله قبلي )
( أبِيتُ مع الهُلاَّك ضيفاً لأهلِها ... وأهلي قريبٌ مُوسِعُون ذوو فضلِ )
( أفِقْ أيها القلبُ اللَّجُوجُ عن الجَهْلِ ... ودَعْ عنك جُمْلاً لا سبيلَ إلى جُمْلِ )
( فلو تركتْ عقلي معي ما طلبتُها ... ولكنْ طِلاَبِيها لِمَا فات من عَقْلي )
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو في الأول والثاني من الأبيات وذكر الهشامي الأبيات كلها ووصف أن الثقيل الثاني الذي يغنى به فيها لمعبد وذكر يحيى المكي أن لابن محرز في الثالث وما بعده من الأبيات ثاني ثقيل بالخنصر والبنصر وفي هذه الأبيات التي أولها الثالث هزج بالبنصر يمان عن عمرو وفي الرابع والخامس لابن طُنْبُورة خفيف رمل عن الهشامي وفيها لإسحاق ثقيل أول عن الهشامي أيضا وذكر حماد عن أبيه أن لنافع الخير مولى

عبد الله بن جعفر في هذه الأبيات لحنا ولم يحبسنه وذكر حبش أن الثقيل الأول لابن طُنْبورة
ومنها في شعر جميل أيضاً

صوت

( لقد فَرِح الواشونَ أنْ صَرَمَتْ حبلي ... بُثَينةُ أو أبدتْ لنا جانبَ البخلِ )
( فلو تركتْ عقلي معي ما طلبتُها ... ولكن طِلاَبِيها لِمَا فات من عقلي )
الغناء لابن مِسْجَح ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي
ومنها في شعر عمر بن أبي ربيعة المذكور في أول الخبر
صوت
( فقالتْ وأَرْخَتْ جانبَ السِّتر إنّما ... معي فتحدّثْ غَيرَ ذي رِقْبةٍ أهلي )
( فقلتُ لها ما بي لهم من تَرقُّبٍ ... ولكنّ سرِّي ليس يحمله مثلي )
( جرى ناصحٌ بالوُدّ بيني وبينها ... فقرَّبني يوم الحِصَابِ إلى قتلي )
غنى في هذه الأبيات ابن سريج ولحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو وذكر يونس أن فيه لحنا لمالك لم يجنسه وذكر الهشامي أن

لحن مالك خفيف ثقيل وذكر حبش أن لمعبد فيه لحنا من الثقيل الأول بالبنصر ولابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى وليس حبش ممن يعتمد في هذا على روايته
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال
أدركت مشيخة من قريش لا يزنون بعمر بن أبي ربيعة شاعرا من أهل دهره في النسيب ويستحسنون منه ما كانوا يستقبحونه من غيره من مدح نفسه والتحلي بمودته والإبتيار في شعره والابتيار أن يفعل الإنسان الشيء فيذكره ويفخر به والابتهار أن يقول ما لم يفعل
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني عبد الله بن عمر وغيره عن إبراهيم بن المنذر الحزامي عن عبد العزيز بن عمران قال قال ابن أبي عتيق لعمر وقد أنشده قوله
صوت
( بينَما يَنْعَتْنَني أبْصَرْنَنِي ... دونَ قِيدِ المِيلِ يَعْدُو بي الأغَرْ )
( قالتِ الكبرى أتَعْرِفْنَ الفَتَى ... قالتِ الوُسْطَى نعم هذا عمرْ )
( قالتِ الصغرى وقد تَيَّمْتُها ... قد عرفناه وهل يَخْفَى القمرْ )
الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رمل بالبنصر فقال له ابن أبي عتيق وقد أنشدها أنت لم تنسب بها وإنما نسبت بنفسك كان ينبغي أن

تقول قلت لها فقالت لي فوضعت خدي فوطئت عليه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال

تفضيل شعر عمر على شعراء عصره

لم يذهب على أحد من الرواة أن عمر كان عفيفا يصف ولا يقف ويحوم ولا يرد
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن منصور عن ابن الأعرابي وحدثني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن رجاله قالوا قالوا
كان ابن أبي ربيعة قد حج في سنة من السنين فلما انصرف من الحج ألفى الوليد بن عبد الملك وقد فرش له في ظهر الكعبة وجلس فجاءه عمر فسلم عليه وجلس إليه فقال له أنشدني شيئا من شعرك فقال يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وقد تركت الشعر ولي غلامان هما عندي بمنزلة الولد وهما يرويان كل ما قلت وهما لك قال ائتني بهما ففعل فأنشده قوله
( أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ ... )
فطرب الوليد واهتز لذلك فلم يزالا ينشدانه حتى قام فأجزل صلته ورد الغلامين إليه
حدثني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري الكاتب الملقب كِيلجَة قال حدثني أبو هفان قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مصعب بن عبد الله الزبيري وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه مصعب أنه قال

خصائص شعر عمر ومميزاته

راق عمر بن أبي ربيعة الناس وفاق نظراءه وبرعهم بسهولة الشعر وشدة الأسر وحسن الوصف ودقة المعنى وصواب المصدر والقصد للحاجة واستنطاق الربع وإنطاق القلب وحسن العزاء ومخاطبة النساء وعفة المقال وقلة الانتقال وإثبات الحجة وترجيح الشك في موضع اليقين وطلاوة الاعتذار وفتح الغزل ونهج العلل وعطف المساءة على العذال وأحسن التفجع وبخل المنازل واختصر الخبر وصدق الصفاء إن قدح أورى وإن اعتذر أبرا وإن تشكى أشجى وأقدم عن خبرة ولم يعتذر بغرة وأسر النوم وغم الطير وأغذ السير وحيرماء الشباب وسهل وقول وقاس الهوى فأربى وعصى وأخلى وحالف بسمعه وطرفه وأبرم نعت الرسل وحذر وأعلن الحب وأسر وبطن به وأظهر وألح وأسف وأنكح النوم وجنى الحديث وضرب ظهره لبطنه وأذل صعبه وقنع بالرجاء من الوفاء وأعلى قاتله واستبكى عاذله ونفض النوم وأغلق رهن منى وأهدر قتلاه وكان بعد هذا كله فصيحا
فمن سهولة شعره وشدة أسره قوله

صوت

( فلمّا تَوَاقَفْنا وسلّمتُ أشرقَتْ ... وجوهٌ زهاها الحسنُ أن تَتَقنَّعا )

( تَبَالَهْنَ بالعِرْفان لَمّا رأينَنِي ... وقُلْنَ امرؤٌ باغٍ أَكَلَّ وأَوْضَعا )
الغناء لابن عباد رمل عن الهشامي وفيه لابن جامع لحن غير مجنس عن إبراهيم
ومن حسن وصفه قوله
( لها من الرِّيم عيناه وسُنَّتُهُ ... ونَخْوةُ السابق المُخْتَال إذ صَهَلا )
ومن دقة معناه وصواب مصدره قوله

صوت

( عُوجَا نُحَيِّ الطَّلَلَ المُحْولاَ ... والرَّبْعَ مِنْ أسماء والمنزلاَ )
( بسَابِغِ البَوْبَاةِ لم يَعْدُه ... تَقَادُمُ العهدِ بأن يُؤْهَلاَ )
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق قال إسحاق ابن إبراهيم يعني أنه لم يؤهل فيعدوه تقادم العهد وقال الزبير قال بعض المدنيين يحييه بأن يؤهل أي يدعو له بذلك
ومن قصده للحاجة قوله

الثريا وسهيل

صوت
( أيّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاً ... عَمْرَكَ اللهَ كيف يلتقيانِ )

( هي شاميّةٌ إذا ما اسْتَقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا استقلَّ يَمانِي )
ويروى هي غَوْرِيَّة الغناء للغريض خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو وابن المكي
ومن استنطاقه الربع قوله
صوت
( سائلاَ الرَّبْعَ بالبُلَيّ وقُولاَ ... هِجتَ شوقاً ليَ الغداةَ طويلا )
( أين حيٌّ حلُّوكَ إذ أنت محفوفٌ ... بهم آهلٌ أراكَ جميلا )
( قال ساروا فأمْعَنوا واستقلُّوا ... وبِرَغْمِي لو قد وجدتُ سبيلا )
ويروى
( وبِكُرْهِي لَو استطعتُ سبيلا ... )
( سئِمُونا وما سَئِمْنا جِوَاراً ... وأحبُّوا دَمَاثَةً وسُهولا )
فيه رملان أحدهما لابن سريج بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر لإسحاق مطلق في مجرى البنصر وفيه لأبي العبيس بن حمدون ثاني ثقيل وقد شرحت نسبته مع خبره في موضع آخر قال إسحاق أنشد جرير هذه الأبيات فقال إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه

المقال المبكي والقلب المتكلم

( قال لي فيها عَتِيقٌ مقالاً ... فجرتْ مما يقولُ الدموعُ )
( قال لي وَدِّعْ سُلَيْمَى ودَعْها ... فأجاب القلبُ لا أستطيعُ )
الغناء للهذلي ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي قال وفيه ليحيى المكي ثقيل أول نسب إلى معبد وهو من منحوله
ومن حسن عزائه قوله

صوت

( أألحقُّ إنْ دارُ الرَّباب تباعدتْ ... أو انْبَتَّ حبلٌ أنّ قلبَك طائرُ )
( أَفِقْ قد أفاق العاشقون وفارقوا الهوى ... واستمرَّتْ بالرِّجال المرائرُ )
( زَعِ النفسَ واستبقِ الحياءَ فإنّما ... تُباعِدُ أو تُدنِي الرَّبابَ المَقَادِرُ )
( أمِتْ حُبَّها واجعلْ قَدِيمَ وِصَالِها ... وعِشْرَتِها كمثل مَنْ لا تُعاشِرُ )
( وهَبْها كشيءٍ لم يكن أو كنازحٍ ... به الدارُ أو مَنْ غَيَّبتْه المقابرُ )
( وكالناسِ عُلِّقْتَ الرَّبابَ فلا تكن ... أحاديثَ مَنْ يَبْدُو ومن هو حاضرُ )

الغناء في بعض هذه الأبيات وأوله زع النفس لابن سريج ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وفيه لعمر الوادي رمل بالبنصر عن ابن المكي وفيه ل قُدَارٍ لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس وهذه الأبيات يرويها بعض أهل الحجاز لكثير ويرويها الكوفيون للكميت بن معروف الأسدي وذكر بعضها الزبير بن بكار عن أبي عبيدة لكثير في أخباره
ومن حسن غزله في مخاطبة النساء قال مصعب الزبيري وقد أجمع أهل بلدنا ممن له علم بالشعر أن هذه الأبيات أغزل ما سمعوا قوله

عمر يتودد للرباب

صوت

( تقولُ غَدَاةَ التقَيْنا الرَّبَابُ ... أياذا أفَلْتَ أفولَ السِّماكِ )
( وكَفَّتْ سوابقَ من عَبْرةٍ ... كما ارْفَضَّ نظمٌ ضعيفُ السِّلاَكِ )
( فقلتُ لها مَنْ يُطِعْ في الصَّديقِِ ... أعداءه يَجْتَنِبْه كذاكِ )
( أغَرَّكِ أنّي عصَيتُ المَلاَمَ ... فيكِ وأنّ هَوَانا هواكِ )
( وألاَّ أرى لَذّةً في الحياةِ ... تَقَرُّ بها العينُ حتى أراكِ )
( فكان من الذنب لي عندكم ... مُكَارَمتِي واتِّباعِي رِضَاكِ )

( فليتَ الذي لاَمَ في حُبّكم ... وفي أن تُزارِي بقَرْن وَقَاكِ )
( هُمُومَ الحياة وأسقامَها ... وإن كان حَتْفٌ جَهِيزٌ فَداكِ )
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لحكم وقيل إن فيه لحنا آخر لابن جامع
ومن عفة مقاله قوله

صوت

( طَالَ لَيْلِي واعتادَنِي اليومَ سُقْمُ ... وأصابتْ مَقَاتِلَ القلبِ نُعْمُ )
( حُرَّةُ الوجهِ والشمائلِ والجوهرِ ... تكليمُها لمن نال غُنْمُ )
( وحديث بمثله تُنْزَلُ العُصْمُ ... يَشُوبُ ذلك حِلْمُ )
( هكذا وَصْفُ ما بدا لِيَ منها ... ليس لي بالذي تَغيَّبَ عِلْمُ )
( إن تَجُودي أو تَبْخَلي فبحَمْدٍ ... لستِ يا نُعْمُ فيهما مَنْ يُذَمُّ )
الغناء لابن سريج رمل عن الهشامي
ومن قلة انتقاله قوله
صوت
( أيها القائلُ غيرَ الصوابِ ... أمْسِكِ النُّصْحَ وأَقلِلْ عِتَابِي )
( واجتَنِبني واعلَمَنْ أن ستُعْصَى ... ولخَيْرٌ لك طولُ اجتنابِي )

( إن تَقُلْ نُصْحاً فعن ظهرِ غِشٍّ ... دائِم الغِمْرِ بعيدِ الذَّهَابِ )
( ليس بي عِيٌّ بما قلتَ إنِّي ... عالمٌ أفقهُ رَجْعَ الجوابِ )
( إنّما قُرَّةُ عيني هواها ... فدَعِ اللّومَ وكِلْنِي لِمَا بِيْ )
( لا تَلُمْنِي في الرَّبَابِ وأمستْ ... عَدَلتْ للنفس بَرْدَ الشَّرَابِ )
( هي واللهِ الذي هو رَبِّي ... صادقاً أحلِفُ غيرَ الكِذَابِ )
( أكرمُ الأحياء طُرًّا علينا ... عند قُرْبٍ منهمُ واجتنابِ )
( خاطبتْني ساعةً وهي تبكِي ... ثم عَزَّتْ خُلَّتي في الخِطَابِ )
( وَكَفَى بي مِدْرَهاً لخُصُومٍ ... لِسوَاها عند حَدِّ تَبَابِي )
الغناء لكردم ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق في الأول والخامس ثم الثاني والثالث وفيه لمعبد خفيف ثقيل بالبنصر عن يحيى المكي
ومن إثباته الحجة قوله
( خليليَّ بعضَ اللوم لا تَرْحَلا به ... رفيقَكما حتى تَقُولاَ على عِلْمِ )
( خليليّ مَنْ يَكْلَفْ بآخَرَ كالذي ... كَلِفْتُ به يَدْمُلْ فؤاداً على سُقْمِ )

( خليليّ ما كانت تُصَابُ مَقَاتِلِي ... ولا غِرَّتِي حتى وَقَعْتُ على نُعْمِ )
( خليليّ حتى لُفَّ حَبْلِي بخادِعٍ ... مُوَقَّى إذا يُرْمَى صَيُودٍ إذا يَرْمِي )
( خليليّ لو يُرْقَى خليلٌ من الهوى ... رُقيتُ بما يُدْنِي النَّوارَ من العُصْمِ )
( خليليّ إن باعدتُ لانَتْ وإن أَلِنْ ... تُبَاعِدْ فلم أَنْبُلْ بحَرْبٍ ولا سِلْمِ )

المعاصم الفضة والوجه النضير

صوت

( نظرتُ إليها بالمُحصَّب من مِنىً ... ولي نظرٌ لولا التَّحَرُّجُ عارمُ )
( فقلتُ أشمسٌ أم مصابيحُ بِيعَةٍ ... بدتْ لك خَلْفَ السَّجف أم أنت حالمُ )
( بعيدةُ مَهْوَى القُرْطِ إمّا لَنَوْفَلٌ ... أبوها وإمّا عبدُ شمسٍ وهاشمُ )
( ومَدَّ عليها السَّجْفَ يومَ لَقِيتُها ... عَلَى عَجَلٍ تُبَّاعها والخَوادِمُ )
( فلم أَسْتَطِعْها غيرَ أنْ قد بدا لنا ... عَشيّةَ راحتْ وجهُها والمعاصُم )
( مَعَاصِمُ لم تَضرِبْ على البَهم بالضُّحَى ... عَصَاها ووجهٌ لم تَلُحْهُ السَّمَائِمُ )
( نُضَارٌ تَرَى فيه إِساريعَ مائه ... صَبِيحٌ تُغاديه الأَكُفُّ النَّواعمُ )
( إذا ما دَعتْ أترابَها فاكْتنفْنَها ... تَمَايَلْنَ أو مالتْ بهنَّ المآكِم )

( طَلَبن الصِّبا حتى إذا ما أصَبْنه ... نَزَعْنَ وهنّ المُسْلِمَات الظّوالمُ ) الغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وابن المكي وفيها لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق أيضا وفيها للغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي

الاعتذار اللطيف

ومن طلاوة اعتذاره قوله

صوت

( عاودَ القلبَ بعضُ ما قد شَجَاهُ ... مِن حبيبٍ أمسى هَوانَا هواه )
( يا لقَومِي فكيف أصبِرُ عمَّنْ ... لا تَرى النفسُ طِيبَ عيشٍ سِواهُ )
( أرسَلتْ إذ رأتْ بِعادِيَ ألاّ ... يَقْبَلَنْ بي مُحَرِّشاً إن أتاه )
( دونَ أن يسمَع المقالةَ مِنّا ... ولْيُطِعْنِي فإنّ عندي رضاه )
( لا تُطِعْ بي فَدَتْك نَفْسِي عدواًّ ... لحديثٍ على هَواهُ افْتَرَاه )
( لا تُطِعْ بي مَنْ لو رآني وإِيَّاكَ ... أَسِيرَيْ ضَرُورةٍ ما عَنَاه )
( ما ضِرارِي نفسي بهَجْريَ مَنْ ليس ... مُسيئاً ولا بعيداً ثَرَاه )
( واجتنابي بيتَ الحبيبِ وما الخُلْدُ ... بأَشْهَى إليّ من أن أَرَاه )
الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطىعن إسحاق وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وقال عمرو فيه خفيف ثقيل بالوسطى

للهذلي وفيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وابتداؤه نشيد أوله ما ضراري نفسي وقال الهشامي وفيه لعلية بنت المهدي وسعيد بن جابر لحنان من الثقيل الثاني

الدليل الصادق

( وآيةُ ذلكِ أنْ تسمَعي ... إذا جئتُكم ناشداً يَنْشُدُ )
( فرُحْنا سِرَاعاً وراح الهوى ... دليلاً إليها بنا يَقْصِدُ )
( فلمّا دَنَوْنا لِجَرس النباح ... والصوتِ والحيُّ لم يَرْقُدوا )
( بَعَثْنا لها باغياً ناشداً ... وفي الحيّ بُغْيَةُ من ينْشُدُ )
وقد نسبت هذه الأبيات إلى من غنى فيها مع
( تَشُطُّ غداً دارُ جيراننا ... )
ومن فتحه الغزل قوله
( إذا أنت لم تَعْشَقْ ولم تَدْرِ ما الهوى ... فكُنَّ حجراً من يابس الصَّخْر جَلْمَدَا )
ومن عطفه المساءة على العذال قوله

صوت

( لا تَلُمْني عَتِيقُ حَسْبي الذي بي ... إنّ بي يا عَتِيقُ ما قَد كَفَانِي )
( لا تَلُمْني وأنت زيَّنْتَها لي ... أنت مثلُ الشيطان للإِنسان )
الغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل أول مطلق من مجموع أغانيه وفيه رمل طُنْبورِيّ محدث وفيه هزج لأبي عيسى بن المتوكل

الهجر القاسي

ومن حسن تفجعه قوله

صوت

( هَجرتَ الحبيبَ اليومَ من غير ما اجْتَرمْ ... وقَطَّعْتَ من ذي وُدِّكَ الحبلَ فانصرم )
( أطعتَ الوُشاةَ الكاَشحين ومن يُطِعْ ... مَقالةَ واشٍ يَقْرَعِ السِّنَّ مِنْ نَدَمْ )
( أتاني رسولٌ كنتُ أحسَبُ أنه ... شَفِيقٌ علينا ناصحٌ كالذي زَعَمْ )
( فلما تَبَاثَثْنَا الحديثَ وصَرَّحَتْ ... سَرَائِرُه عن بعض ما كان قد كَتَمْ )
( تَبَيَّنَ لي أنّ المُحَرِّشَ كاذبٌ ... فعندي لكِ العُتْبَى على رَغْمِ مَنْ رَغَمْ )

( فمِلآنَ لُمْتُ النفسَ بعد الذي مَضَى ... وبعد الذي آلتْ وآليتُ مِنْ قَسَمْ )
( ظلمْتَ ولم تُعْتِبْ وكان رسولُها ... إليك سريعاً بالرِّضا لكَ إذ ظَلَمْ )
الغناء لابن سريج رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وقال يونس فيه لابن سريج لحنان وذكر الهشامي أن لحنه الآخر ثقيل أول وأن لعلوية فيه رملا آخر
ومن تبخيله المنازل قوله
صوت
( عَرَفْتُ مَصِيفَ الحيِّ والمُتَرَبَّعا ... ببَطْنِ حُلَيَّاتٍ دَوَارِسَ بَلْقعا )
( إلى السَّرْح من وادي المُغَمَّسِ بُدِّلَتْ ... مَعالِمُها وَبْلاً وَنَكْبَاءَ زَعْزَعا )
( فيَبْخَلْنَ أو يُخْبِرنَ بالعلم بعدما ... نَكَأنَ فؤاداً كان قِدْماً مُفَجَّعا )
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى
ومن اختصاره الخبر قوله

صوت

( أمِن آلِ نُعْمٍ أنت غادٍ فمُبكِرُ ... غَداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهَجِّرُ )
( بحاجةِ نفسٍ لم تَقُلْ في جوابها ... فتُبلِغَ عذراً والمقالةُ تُعْذر )
( أشارت بمِدْراها وقالت لترْبها ... أهذا المُغِيريُّ الذي كان يُذكَرُ )
( لئن كان إيّاه لقد حال بعدَنا ... عن العهد والإِنسانُ قد يَتَغيَّرُ )
الغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر وله في بيتين آخرين من هذه القصيدة وهما
( وليلةَ ذي دَوْرَانَ جَشّمتِنِي السُّرَى ... وقد يَجْشَمُ الهولَ المحبُّ المُغَرِّرُ )
( فقلتُ أبادِيهم فإمّا أفوتُهم ... وإمّا ينالُ السَّيفُ ثأراً فيثأر )
رمل آخر بالوسطى عن عمرو قال الزبير حدثني إسحاق الموصلي قال قلت لأعرابي ما معنى قول ابن أبي ربيعة
( بحاجة نفسٍ لم تَقُلْ في جوابها ... فتُبلِغَ عُذْراً والمقالةُ تُعذِرُ )
فقال قام كما جلس

ومن صدقه الصفاء قوله
( كلُّ وصلٍ أمسى لديك لأُنثَى ... غيرِها وصلُها إليها أَداءُ )
( كلُّ أُنثَى وإن دنتْ لوصالٍ ... أو نأتْ فَهْيَ للرَّباب الفِداءُ )
تذللُه في الحب
وقوله

صوت

( أُحِبُّ لحبِّكِ مَن لم يكنْ ... صَفِياً لنفسي ولا صاحِبَا )
( وأَبذُلُ مالي لمَرْضاتِكم ... وأُعْتِبُ مَنْ جاءكم عاتَبا )
( وأرغَبُ في وُدّ مَنْ لم أكن ... إلى وُده قبلَكم راغَبا )
( ولو سَلَكَ الناسُ في جانبٍ ... من الأرض واعتزلتْ جانِبَا )
( لَيَمَّمْتُ طيَّتَها إنّني ... أرى قُرْبَها العجبَ العاجِبَا )
الغناء لابن القفاص رمل عن الهشامي ويحيى المكي وفيه للربعي لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس
صوت
( طالَ لَيْلي وتَعَنَّاني الطَّرَب ... واعتراني طولُ هَمٍّ ووَصَبْ )

( أرْسَلتْ أسماءُ في مَعْتَبَة ... عَتَبَتْها وهي أحلَى مَنْ عَتَبْ )
( أَنْ أَتى منها رسولٌ مَوْهناً ... وجَد الحيَّ نياماً فانقلبْ )
( ضربَ البابَ فلم يَشْعُرْ به ... أحدٌ يفتَح باباً إذ ضَرَب )
( قال أيقاظٌ ولكن حاجةٌ ... عَرَضَتْ تُكْتَمُ منّا فاحتجبْ )
( ولَعَمْداً ردَّني فاجْتَهدَتْ ... بِيَمينٍ حَلْفَةً عند الغضبْ )
( يشهَد الرحمنُ لا يجمعُنا ... سَقْفُ بيتٍ رَجَباً بعد رجبْ )
( قلتُ حِلاَّ فاقْبَلي مَعْذِرتي ... ما كذا يَجْزِي مُحبٌّ مَنْ أحبْ )
( إنّ كَفِّي لكِ رَهْنٌ بالرِّضا ... فاقْبَلي يا هندُ قالت قد وجَبْ )
الغناء لمالك خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لدحمان ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وفيه لمعبد لحن من كتاب يونس لم يجنسه وذكر الهشامي أنه خفيف ثقيل وفيه لابن سريج رمل عن الهشامي
قال من حكينا عنه في صدر أخبار عمر روايته التي رواها علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله والحرمي عن الزبير عن عمه
كان عمر بن أبي ربيعة يهوى امرأة يقال لها أسماء فكان الرسول يختلف بينهما زمانا وهو لا يقدر عليها ثم ودعته أن تزوره فتأهب لذلك وانتظرها فأبطأت عنه حتى غلبته عينه فنام وكانت عنده جارية له تخدمه فلم تلبث أن

جاءت ومعها جارية لها فوقفت حجرة وأمرت الجارية أن تضرب الباب فضربته فلم يستيقظ فقالت لها تطلعي فانظري ما الخبر فقالت لها هو مضطجع وإلى جنبه امرأة فحلفت لا تزوره حولا فقال في ذلك
( طال لَيلي وتَعَنّاني الطَّرَبْ ... )
قال أبو هفان في حديثه وبعث إليها امرأة كانت تختلف بينه وبين معارفه وكانت جزلة من النساء فصدقتها عن قصته وحلفت لها أنه لم يكن عنده إلا جاريته فرضيت وإياها يعني عمر بقوله
( فأتتها طَبَّةٌ عالمةٌ ... تَخلِطُ الجِدَّ مِراراً باللَّعِبْ )
( تُغْلِظُ القولَ إذا لانتْ لها ... وتُراخي عندَ سَوْراتِ الغضبَ )
( لم تَزَلْ تَصْرِفُها عن رأيِها ... وتأنَّاها برِفْقٍ وأدبُ )

الوليد بن يزيد يطرب لقصيدة عمر

قال إسحاق في خبره وحدثني ابن كناسة قال أخبرني حماد الراوية قال استنشدني الوليد بن يزيد فانشدته نحوا من ألف قصيدة فما استعادني إلا

قصيدة عمر بن أبي ربيعة
( طال ليلي وتعنَّاني الطربْ ... )
فلما انشدته قوله
( فأتتْها طَبَّةٌ عالمَةٌ ... تَخْلِطُ الجِدّ مِراراً باللَّعِبْ )
إلى قوله
( إنّ كفِّي لك رَهْنَّ بالرِّضا ... فاقبَلي يا هندُ قالت قد وجبْ )
فقال الوليد ويحك يا حماد اطلب لي مثل هذه أرسلها إلى سلمى يعني امرأته سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان وكان طلقها ليتزوج أختها ثم تتبعتها نفسه
قال إسحاق وحدثني جماعة منهم الحرمي والزبيري وغيرهما أن عمر أنشد ابن أبي عتيق هذه القصيدة فقال له ابن أبي عتيق الناس يطلبون خليفة مذ قتل عثمان في صفة قوادتك هذه يدبر أمورهم فما يجدونه

رجع إلى خبر عمر الطويل

لقاء فترحيب فصفاء

( فالتقينا فرَحَّبَتْ حين سلَّمتُ ... وكَفَّتْ دمعاً من العين مَارَا )
( ثم قالتْ عند العِتَابِ رَأَيْنا ... منكَ عنَّا تَجَلُّداً وازْورارا )

( قلتُ كلاَّلاهِ ابنُ عمِّكَ بل خِفْنا
أُموراً كنَّا بها أَغْمَارا )
( فجعلْنا الصُّدُودَ لمّا خَشِينا ... قَالَة الناسِ للهوى أَسْتَارَا )
( ليس كالعهدِ إذ عَهِدْتِ ولكن ... أوقد الناسُ بالنميمة نارا )
( فلِذاكِ الإِعراضُ عنكِ وما آثَر
َ قلبي عليكِ أخرى اختيارا )
( ما أُبَالي إذا النَّوَى قَرَّبتْكم ... فدنَوْتُم مَنْ حَلَّ أو مَنْ سارا )
( فاللّيالي إذا نَأَيتِ طِوَالٌ ... وأَرَاها إذا قَرُبْتِ قصَارا )
ومن تشكيه الذي أشجى فيه قوله

صوت

( لَعَمْرُكِ ما جاورتُ غُمْدانَ طائعاً ... وقَصْرَ شَعُوبٍ أن أكون به صَبَّا )
( ولكنَّ حُمَّى أَضْرَعَتْني ثلاثةً ... مُجَرَّمَةً ثم استمرَّتْ بنا غِبَّا )
( وحتَّى لَو ان الخُلْدَ تَعْرِضُ إن مشت ... إلى الباب رِجْلي ما نقلتُ لها إرْبا )

( فإنّكِ لو أبصرتِ يومَ سُوَيْقَةٍ ... مُنَاخِي وحَبْسِي العيس داميةً حُدْبَا )
( ومَصْرَعَ إخوان كأنّ أَنينَهم ... أنينُ المَكَاكي صادفتْ بلداً خِصْبَا )
( إذا لاقْشَعَرَّ الرَّأْسُ منك صَبَابةً ... ولاستفرغتْ عيناكِ من سَكْبةٍ غَرْبا )
غنى في الأول والثاني من هذه الأبيات معبد ولحنه خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وفيهما لمالك ثقيل أول عن الهشامي ونسبه يونس إلى مالك ولم يجنسه
ومن إقدامه عن خبرة ولم يعتذر بغرة قوله
( صَرَمْتُ وواصلتُ حتّى عرفت ... ُ أين المَصَادِرُ والمَوْرِدُ )
( وجَرَّبتُ من ذاك حتّى عرفت ... ُ ما أتوقَّى وما أَعمَدُ )
ومن أسره النوم قوله
( نام صَحْبِي وبات نومي أسيراً ... أرقُب النَّجمَ مَوْهِناً أن يغُورا )
ومن غمه الطير قوله
( فَرُحْنَا وقلنا للغلام اقض حاجةً ... لنا ثم أَدْرِكْنا ولا تتغبَّرِ )
( سِراعاً نَغُمُّ الطيرَ إن سَنَحَتْ لنا ... وإن تَلْقَنا الرُّكْبانُ لا نَتَخَبِّرِ )
نتغبر من قولهم غبر فلان أي لبث

الغاية والهدف

( قلتُ سِيرا ولا تُقيما ببُصْرى ... وحَفِيرٍ فما أُحِبّ حَفِيراً )
( وإذا ما مررتُما بمَعَانٍ ... فأقِلا به الثَّواءَ وسِيرا )
( إنّما قَصْرُنا إذا حَسَّر السير ... ُ بعيراً أن نَستجِدَّ بَعِيرَا )
ومن تحييره ماء الشباب قوله

صوت

( أبرَزوها مثلَ المَهَاةِ تَهَادَى ... بين خَمْسٍ كَوَاعبٍ أَتْرابِ )
( ثم قالوا تحبُّها قلتُ بَهْراً ... عددَ القَطْر والحَصَى والترابِ )
( وهي مكنونةٌ تحيَّر منها ... في أَدِيم الخَدَّيْنِ ماءُ الشباب )
الغناء لمحمد بن عائشة خفيف ثقيل بالبنصر وفيه لمالك خفيف ثقيل آخر عن الهشامي وقيل بل هو هذا
ومن تقويله وتسصله قوله
( قالتْ على رِقْبةٍ يوماً لجارتها ... ما تأْمُرينَ فإنْ القلبَ قد تُبِلاَ )
( وهل ليَ اليومَ مِنْ أختٍ مُوَاخِيةٍ ... منكنَّ أَشْكُو إليها بعضَ ما فَعلا )

( فراجعتْها حَصَانٌ غيرُ فاحشةٍ ... بَرجعِ قولٍ ولُبٍّ لم يكن خَطِلا )
( لا تذكُري حُبَّه حتى أُراجِعَه ... إنِّي سَأَكْفِيكه إنْ لم أمُتْ عَجَلا )
( فاقْنَىْ حياءَك في سَتْرٍ وفي كَرَمٍ ... فلستِ أَوّلَ أُنثى عُلِّقتْ رجُلا )
وأما ما قاس فيه الهوى فقوله
( وقَرَّبْنَ أسبابَ الهوى لمتيم ... يَقِيسُ ذراعاً كلّما قِسْنَ إصبعَا )
ومن عصيانه وإخلائه قوله
( وأنُصُّ المَطِيَّ يَتْبَعْنَ بالرَّكْبِ ... سِرَاعاً نَوَاعِمَ الاظْعَان )
( فَنَصِيدُ الغَرِيرَ من بقر الوَحش ... ِ ونَلْهُو بلذّة الفِتْيِانِ )
( في زمانٍ لو كنتِ فيه ضَجِيعِي ... غيرَ شَكٍّ عَرَفتِ لي عِصياني )
( وتَقَلّبتِ في الفِراش ولا تَدْرِينَ ... إلا الظُّنونَ أَين مكاني )
ومن مخالفته بسمعه وطرفه قوله
( سَمْعِي وطَرْفِي حَلِيفَاها على جسدي ... فكيف أصْبِرُ عن سَمْعي وعن بَصَرِي )
( لو طاوعاني على ألاّ أُكَلِّمَها ... إذاً لَقَضَّيْتُ من أَوْطَارِها وَطَرِي )
ومن إبرامه نعت الرسل قوله
( فبعثتُ كاتمةَ الحديثِ ... رَفِيقةً بجَوَابِها )

( وحْشِيَّةً إنسيَّةً ... خَرَّاجةً من بابها )
( فَرَقَتْ فسهَّلتِ المَعَارِضَ ... من سبيل نِقَابِها )
ومن تحذيره قوله
صوت
( لقد أرسلتُ جاريتي ... وقلتُ لها خُذِي حَذَرَكْ )
( وقُولِي في مُلاَطَفَةٍ ... لزينبَ نَوِّلي عُمَرَكْ )
( فإِنْ داويتِ ذا سَقَمٍ ... فأخزَى اللهُ مَنْ كَفَرَكْ )
( فَهزَّتْ رأسَها عجباً ... وقالتْ مَنْ بذا أمَركْ )
( أهذا سِحْرُك النِّسْوان ... َ قد خَبرنْني خَبَرَكْ )
( وقُلْنَ إذا قضَى وطَراً ... وأَدْرَك حاجةً هَجَرَكْ )
غنى ابن سريج في هذه الأبيات ولحنه خفيف ثقيل ولابن المكي فيها هزج بالوسطى وفيها رمل ذكر ذكاء وجه الرزة عن أحمد بن أبي العلاء عن مخارق أنه لابن جامع وذكر قمري أنه له وأن ذكاء أبطل في هذه الحكاية

تحذير النساء من رواية شعر عمر

قال الزبير حدثني عمي قال حدثني أبي قال قال شيخ من قريش لا ترووا نساءكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطا وأنشد

( لقد أرسلتُ جاريتي ... وقلتُ لها خُذِي حَذَرَكْ )
الأبيات
ومن إعلانه الحب وإسراره قوله
( شكوتُ إليها الحبَّ أُعْلِنُ بعضَه ... وأخفيتُ منه في الفؤاد غَلِيلاَ )
ومما بطن به وأظهر قوله
( حُبُّكم يا آل لَيْلَى قاتِلي ... ظهرَ الحبُّ بجسمي وبَطَنْ )
( ليس حُبٌّ فوقَ ما أحببتُكُم ... غيرَ أنْ أَقْتل نفسي أو أُجَنْ )
ومما ألح فيه وأسف قوله
( ليت حَظِّي كَطرْفة العين منها ... وكثيرٌ منها القليلُ المُهَنّا )
( أو حديثٌ على خَلاَءٍ يُسَلِّي ... ما يُجِنُّ الفؤادُ منها ومِنّا )
( كَبُرَتْ رَبِّ نعمةً منكَ يوماً ... أنْ أراها قبل المماتِ ومَنّا )

العاشقة المتسللة

ومن إنكاحه النوم قوله

صوت

( حتّى إذا ما الليلُ جَنّ ظلامُه ... ونظرتُ غَفْلةَ كاشحٍ أن يَعْقِلاَ )
( واستَنكَح النومُ الذين نَخَافُهم ... وسَقَى الكَرَى بَوَّابَهُمْ فاستُثْقِلاَ )
( خرجتْ تَأَطَّرُ في الشباب كأنّها ... أَيْمٌ يَسيبُ على كَثِيبٍ أَهْيَلاَ )

الغناء لمعبد خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه ألحانٌ لغيره وقد نسبت في غير هذا الموضع مع قوله
( وَدِّعْ لُبَابَةَ قبل أن تترحَّلا ... )
ومن جنيه الحديث قوله
( وجَوارٍ مُسَاعِفَاتٍ على اللّهو ... مُسِرَّاتِ باطنِ الأَضغانِ )
( صُيَّدٍ للرجال يَرْشُقْن بالطَّرْف ... ِ حِسَانٍ كخُذَّل الغِزْلاَنِ )
( قد دَعَانِي وقد دَعَاهُنَّ لِلَّهو ... ِ شُجُونٌ مُهِمَّةُ الأَشجانِ )
( فاجتنَيْنا من الحديث ثِماراً ... ما جنَى مثلها لعَمرُك جَانِي )
ومن ضربه الحديث ظهره لبطنه قوله
( في خَلاَء من الأَنِيسِ وأَمْنٍ ... فَبَثَثْنَا غَلِيلَنا واشْتَفَيْنا )
( وضربْنا الحديثَ ظهراً لبطنِ ... وأتينا من أمرنا ما اشْتَهيْنا )
( فمكثنا بذاك عَشْرَ ليالٍ ... في قضاءٍ لِدَيْنِنَا واقتضَيْنا )

ومن إذلاله صعب الحديث قوله
( فلمنا أَفَضْنَا في الهوى نستبينهُ ... وعاد لنا صعبُ الحديث ذَلُولاَ )
( شكوتُ إليها الحبَّ أُظْهِرُ بعضَه ... وأخفيتُ منه في الفؤاد غَلِيلاَ )
ومن قناعته بالرجاء من الوفاء قوله
( فعِدِي نائلاً وإن لم تُنِيلي ... إنه ينفع المُحِبَّ الرجاءُ )
قال الزبير هذا أحسن من قول كثير
( ولستُ براضٍ من خليلٍ بنائلٍ ... قليلٍ ولا أرضَى له بقليلِ )
ومن إعلائه قاتله قوله
( فبعثتُ جاريتي وقلتُ لها اذهَبي ... فاشْكِي إليها ما علمتِ وسَلِّمِي )
( قُولي يقولُ تَحرَّجِي في عاشقٍ ... كَلِفٍ بكم حتّى المماتِ مُتَيَّمِ )

الهوى المتجدد

( ويقول إنّكِ قد علمتِ بأنَّكُمْ ... أصبحتُمُ يا بِشْرُ أَوْجَهَ ذي دمٍ )
( فُكِّي رَهِينَتَه فإِنْ لم تَفْعَلي ... فاعْلَيْ على قَتْلِ ابنِ عمِّك واسْلمي )
( فتضاحكتْ عَجَباً وقالتْ حقُّه ... ألاّ يُعَلِّمَنا بما لم نَعْلم )
( علمي به واللهُ يَغْفِرُ ذنبه ... فيما بدا لي ذو هَوىً مُتَقَسَّمِ )
( طَرِفٌ يُنازِعُه إلى الأدْنَى الهوى ... ويَبُتُّ خُلَّةَ ذي الوِصَالِ الأَقْدَمِ )

ومن تنفيضه النوم قوله
( فلمّا فَقَدْتُ الصوتَ منهم وأُطفئتْ ... مَصَابِيحُ شُبَّتْ بالعِشَاء وأَنْوُرُ )
( وغاب قُمَيْرٌ كنتُ أرجو غُيوبَه ... وروَّح رُعْيانٌ ونَوَّم سُمَّرُ )
( ونَفَّضْتُ عنِّي النومَ أقبلْتُ مِشْيةَ الحُبَاب ... وركُني خَشْيةَ القومِ أزْوَرُ )
ومن إغلاقه رهن منىً وإهداره قتلاه قوله
( فكم من قَتِيلٍ ما يُبَاءُ به دمٌ ... ومن غَلِقٍ رَهْناً إذا لفَّه مِنَى )
( ومن مالىءٍ عينيه من شيءِ غيره ... إذا راح نحو الجَمْرةِ البِيضُ كالدُّمى )
وكان بعد هذا كله فصيحا شاعرا مقولا

عمر ينظر إلى رجل يكلم امرأة في الطواف فيعيب عليه ذلك وينكره

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي وأخبرنا به علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله
أن عمر بن أبي ربيعة نظر إلى رجل يكلم امرأة في الطواف فعاب ذلك عليه وأنكره فقال له إنها ابنة عمي قال ذاك أشنع لأمرك فقال إني خطبتها إلى عمي فأبى علي إلا بصداق أربعمائة دينار وأنا غير مطيق ذلك وشكا إليه من حبها وكلفه بها أمرا عظيما وتحمل به على عمه فسار معه إليه فكلمه فقال له هو مملق وليس عندي ما أصلح به أمره فقال له عمر وكم الذي تريده

منه قال أربعمائة دينار فقال له هي علي فزوجه ففعل ذلك
وقد كان عمر حين أسن حلف ألا يقول بيت شعر إلا أعتق رقبة فانصرف عمر إلى منزله يحدث نفسه فجعلت جارية له تكلمه فلا يرد عليها جوابا فقالت له إن لك لأمرا وأراك تريد أن تقول شعرا فقال

صوت

( تقولُ وَليدتي لمّا رأتْني ... طَرِبْتُ وكنتُ قد أقصرتُ حِينَا )
( أراكَ اليومَ قد أحدثَت شوقاً ... وهاج لك الهوى داءً دَفِينَا )
( وكنتَ زعمتَ أنّك ذو عَزَاءٍ ... إذا ما شئتَ فارقتَ القَرِيَنا )

بعض ما قاله عمر من شعر بعد أن أسن

( بربِّكَ هل أتاك لها رسولٌ ... فشاقَك أم لَقِيتَ لها خَدِينَا )
( فقلتُ شكا إليّ أخٌ مُحِبٌّ ... كبَعضِ زَمانِنا إذ تَعْلَمِينَا )
( فقَصَّ عليّ ما يَلْقَى بهندٍ ... فذكَّر بعضَ ما كنَّا نَسِينَا )

( وذو الشَّوْقِ القديم وإنْ تَعَزَّى ... مَشُوقٌ حين يلقَى العاشقينَا )
( وكم من خُلَّةٍ أعرضتُ عنها ... لغير قِلىً وكنتُ بها ضَنِينَا )
( أردتُ بِعادَها فصَدَدْتُ عنها ... ولو جُنَّ الفؤادُ بها جنونَا )
ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم لكل بيت واحد الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن عمرو والهشامي وفيه ثقيل أول يقال إنه للغريض وذكر عبد الله بن موسى أن فيه لدحمان خفيف رمل
أخبرني الحرمي قال حدثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال
ذكر ابن الكلبي أن عمر بن أبي ربيعة كان يساير عروة بن الزبير ويحادثه فقال له وأين زين المواكب يعني ابنه محمد بن عروة وكان يسمى بذلك لجماله فقال له عروة هو أمامك فركض يطلبه فقال له عروة يا أبا الخطاب أولسنا أكفاء كراما لمحادثتك ومسايرتك فقال بلى بأبي أنت وأمي ولكني مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان ثم التفت إليه وقال
( إنِّي امرؤ مُولَعٌ بالحسن اتبعُه ... لاحظَّ لي فيه إلا لَذَّةُ النَّظَرِ )
ثم مضى حتى لحقه فسار معه وجعل عروة يضحك من كلامه تعجبا منه
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا

مصعب بن عبد الله قال
رأى عمر بن أبي ربيعة رجلا يطوف بالبيت قد بهر الناس بجماله وتمامه فسأل عنه فقيل له هذا مالك بن أسماء بن خارجة فجاءه فسلم عليه وقال له يابن أخي ما زلت أتشوقك منذ بلغني قولك
( إنَّ لي عند كلِّ نَفْحَةِ بستان ... ٍ من الوَرْد أو من اليَاسِمِينَا )
( نظرةً والتفاتةً أَتمنَّى ... أنْ تكوني حَلْلتِ فيما يَليِنَا )
ويروى
( أترجَّى أن تكوني حللت ... )
عمر يتعرض لامرأة أبي الأسود الدؤلي في الطواف
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا العباس بن هشام عن أبيه قال أخبرني مولى لزياد قال
حج أبو الأسود الدؤلي ومعه امرأته وكانت جميلة فبينا هي تطوف بالبيت إذ عرض لها عمر بن أبي ربيعة فأتت أبا الأسود فأخبرته فأتاه أبو الأسود فعاتبه فقال له عمر ما فعلت شيئا فلما عادت إلى المسجد عاد فكلمها فأخبرت أبا الأسود فأتاه في المسجد وهو مع قوم جالس فقال له
( وإنِّي ليَثْنِيني عن الجهل والخَنَا ... وعن شَتْم أقوامٍ خلائقُ أربعُ )
( حياءٌ وإسلامٌ وبُقْيَا وأَنَّني ... كريمٌ ومثلي قد يَضُرُّ وينفع )

( فشَتَّانَ ما بيني وبينك إنَّني ... على كل حالٍ أتسقيمُ وتَظْلَعُ )
فقال له عمر لست أعود يا عم لكلامها بعد هذا اليوم ثم عاود فكلمها فأتت أبا الأسود فأخبرته فجاء إليه فقال له
( أنت الفتى وابنُ الفتى وأخو الفتى ... وسَيِّدُنا لولا خَلائِقُ أربع )
( نُكُولٌ عن الجُلَّى وقُرْبٌ من الخَنَا ... وبُخْلٌ عن الجَدْوَى وأنك تُبَّعُ )
ثم خرجت وخرج معها أبو الأسود مشتملا على سيف فلما رآهما عمر أعرض عنها فتمثل أبو الأسود
( تَعْدُو الذِّئَابُ على من لا كِلاَبَ له ... وتتَّقِي صَوْلَةَ المستأسِدِ الحامي )
أخبرني ابن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم الفراسي قال حدثنا العمري قال أخبرنا الهيثم بن عدي قال
قدم الفرزدق المدينة وبها رجلان يقال لأحدهما صُوَيْمٌ وللآخر ابن أسماء وصفا له فقصدهما وكان عندهما قيان فسلم عليهما وقال لهما من أنتما فقال أحدهما أنا فرعون وقال الآخر أنا هامان قال فأين منزلكما في النار حتى أقصدكما فقالا نحن جيران الفرزدق الشاعر فضحك ونزل فسلم عليهما وسلما عليه وتعاشروا مدة ثم سألهما أن يجمعا بينه وبين عمر بن أبي ربيعة ففعلا واجتمعا وتحادثا وتناشدا إلى أن أنشد عمر قصيدته التي يقول فيها

( فلماّ التَقيْنا واطمأنَّتْ بنا النَّوَى ... وغُيِّب عنَّا مَنْ نخافُ ونُشْفِقُ )
حتى انتهى إلى قوله

الفرزدق يعترف بأن عمر أغزل الناس

( فقُمْنَ لكي يُخْلِينَنا فترقرقتْ ... مَدامِعُ عَيْنَيْها وظلَّتْ تَدَفَّقُ )
( وقالت أمَا ترحَمْنَنِي لا تَدَعْنَنِي ... لَدَى غَزِلٍ جَمِّ الصَّبَابة يَخْرُقُ )
( فقلنَ اسْكُتِي عنَّا فلَسْتِ مُطَاعةً ... وخِلُّكِ منَّا فاعلمي بكِ أَرْفَقُ )
فصاح الفرزدق أنت والله يا أبا الخطاب أغزل الناس لا يحسن والله الشعراء أن يقولوا مثل هذا النسيب ولا أن يرقوا مثل هذه الرقية وودعه وانصرف
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه
أنه حج مع أبيه الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة فأتى عمر بن أبي ربيعة وقد أسن وشاخ فسلم عليه وسأله ثم قال له أي شيء أحدثت بعدي يا أبا الخطاب فأنشده

مما قاله عمر في شيخوخته

( يقولون إنِّي لستُ أصدُقُكِ الهوى ... وإنِّيَ لا أرعاكِ حين أَغيبُ )
( فما بالُ طَرْفِي عَفَّ عما تَسَاقطتْ ... له أعينٌ من مَعْشَرٍ وقُلوبُ )
( عَشِيَّةَ لا يَسْتَنْكِفُ القومُ أن يَرَوْا ... سَفَاهَ امرىءٍ ممن يقال لبيبُ )
( ولا فِتْنَةً من ناسكٍ أوْمَضَتْ له ... بعين الصِّبَا كَسْلَى القيامِ لَعُوبُ )
( تَرَوَّحَ يَرْجُو أن تُحَطَّ ذُنوبُه ... فآبَ وقد زِيدتْ عليه ذنوبُ )
( وما النُّسْكُ أسْلاَنِي ولكنَّ للهوى ... على العين منِّي والفؤادِ رقيبُ )

عمر والكساء والبردين

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال واعد عمر بن أبي ربيعة نسوة من قريش إلى العقيق ليتحدثن معه فخرج إليهن ومعه الغريض فتحدثوا مليا ومطروا فقام عمر والغريض وجاريتان للنسوة فأظلوا عليهن بمطرفه وبردين له حتى استترن من المطر إلى أن سكن ثم انصرفن فقال له الغريض قل في هذا شعرا حتى أغني فيه فقال عمر

صوت

( ألم تسألِ المنزلَ المُقْفِرا ... بياناً فيكتُمَ أو يُخْبِرَا )
( ذكرتَ به بعض ما قد شَجَاكَ ... وحُقَّ لذي الشَّجْو أن يَذْكُرَا )

( مُقَامَ المُحِبَّيْن قد ظاهَرا ... كِسَاءً وبُرْدَيْنِ أن يُمْطَرَا )
( ومَمْشَى الثلاثِ به مَوْهِناً ... خرجن إلى زائرٍ زُوَّرَا )
( إلى مجلسٍ من وراء القِبَاب ... ِ سَهْلِ الرُّبَا طيِّبٍ أَعْفَرَا )
( غَفَلْنَ عن اللَّيل حتّى بدتْ ... تَباشيرُ من واضحٍ أَسْفَرَا )
( فقُمْنَ يُعَفِّينَ آثارَنا ... بأكسية الخَزِّ أن تُقْفَرَا )
( مهَاتانِ شيَّعتا جُؤْذُراً ... أَسِيلاً مُقَلَّدُه أحْوَرَا )
( وقُمْنَ وقُلْنَ لَوَ انّ النهار ... َ مُدَّ له اللَّيلُ فاستأخَرَا )
( قَضَيْنا به بعضَ أَشْجانِنا ... وكان الحديثُ به أَجْدَرَا )
ذكر ابن المكي أن الغناء في الخمسة الأبيات الأولى لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر وذكر الهشامي أن هذا اللحن للغريض وأن لحن ابن سريج رمل بالوسطى قال ولدحمان فيه أيضا ثاني ثقيل آخر بالوسطى وفيها لابن الهربذ خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى وقال حبش فيها لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو العباس المديني قال أخبرنا ابن عائشة قال
حضر ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة وهو ينشد قوله

( ومَنْ كان مَحْزوناً بإِهراق عَبْرةٍ ... وَهَى غَرْبُها فَلْيأتِنا نُبْكِه غَدَا )
( نُعِنْه على الإِثْكَال إنْ كان ثاكلاً ... وإن كان مَحْرُوباً وإن كان مُقْصَداً )

ابن أبي عتيق وخالد بن عبد الله القسري يأتيان عمر

قال فلما أصبح ابن أبي عتيق أخذ معه خالدا الخِرِّيتَ وقال له قم بنا إلى عمر فمضيا إليه فقال له ابن أبي عتيق قد جئناك لموعدك قال وأي موعد بيننا قال قولك فليأتنا نبكه غدا قد جئناك والله لا نبرح أو تبكي إن كنت صادقا في قولك أو ننصرف على أنك غير صادق ثم مضى وتركه قال ابن عائشة خالد الخريت هو خالد بن عبد الله القسري
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني قال
لقيت عمر بن أبي ربيعة فقلت له يا أبا الخطاب أكل ما قلته في شعرك فعلته قال نعم وأستغفر الله

عمر ينزل عند عبد الله بن هلال في الكوفة

أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن عبد الله بن مصعب قال
قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة فنزل على عبد الله بن هلال الذي كان يقال

له صاحب إبليس وكان له قينتان حاذقتان وكان عمر يأتيهما فيسمع منهما فقال في ذلك
( يا أهلَ بَابِلَ ما نَفِسْتُ عليكُمُ ... من عَيْشِكم إلاّ ثلاثَ خِلاَلِ )
( ماءَ الفُرَاتِ وطِيبَ ليلٍ باردٍ ... وغِناءَ مُسْمِعَتيْنِ لابن هِلاَلِ )

عمر وبعض الشعراء يصفون البرق

أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله
أن عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد وأبا ربيعة المصطلقي ورجلا من بني مخزوم وابن أخت الحارث بن خالد خرجوا يشيعون بعض خلفاء بني أمية فلما انصرفوا نزلوا بسرف فلاح لهم برق فقال الحارث كلنا شاعر فهلموا نصف البرق فقال أبو ربيعة
( أرِقْتُ لبرقٍ آخِرَ الليلِ لامِعٍ ... جَرَى من سَنَاه ذو الرُّبَا فيُنَابِعُ )
فقال الحارث
( أرِقتُ له ليلَ التِّمَامِ ودونَه ... مَهَامِهُ مَوْمَاةٍ وأرضٌ بَلاَقِعُ )

فقال المخزومي
( يُضِيءُ عِضَاهَ الشَّوْكِ حتّى كأنّه ... مَصَابِيحُ أو فجرٌ من الصُّبْح ساطِعُ )
فقال عمر
( أيا ربِّ لا آلُو المودَّةَ جاهِداً ... لأسماءَ فاصْنَعْ بي الذي أنتَ صانعُ )
ثم قال ما لي وللبرق والشوك

هند وأسماء وخالد القسري وعمر

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال
كان عمر بن أبي ربيعة وخالد القسري معه وهو خالد الخِرِّيتُ ذات يوم يمشيان فإذا هما بهند وأسماء اللتين كان يشبب بهما عمر بن أبي ربيعة تتماشيان فقصداهما وجلسا معهما مليا فأخذتهم السماء ومطروا ثم ذكر مثل خبر تقدم ورويته آنفا عن هاشم بن محمد الخزاعي وذكر الأبيات الماضية ولم يذكر فيها خبر الغريض وحكى أنه قال في ذلك

عمر يذكر البرق والمطر والفتاة والكساء

صوت

( أفِي رَسْمِ دارٍ دَمْعُكَ المُتَرَقْرِقُ ... سَفَاهاً وما استنطاقُ ما ليس يَنْطِقُ )
( بحيثُ الْتَقَى جَمْعٌ ومفضى مُحسَّرٍ ... مَغانيَ قد كادتْ على العَهْدِ تَخْلَقُ )

( ذكرتُ به ما قد مضى من زماننا ... وذِكْرُكَ رَسْمَ الدارِ ممَّا يُشَوِّقُ )
( مَقَاماً لنا عند العِشاء ومجلساً ... به لم يُكدِّرْه علينا مُعَوِّقُ )
( ومَمْشَى فَتَاةٍ بالكِساء تَكُنُّنا ... به تحت عَيْنٍ بَرْقُها يتألَّقُ )
( يَبُلُّ أعالي الثوبِ قَطْرٌ وتحتَه ... شعَاعٌ بَدَا يُعْشِي العيونَ ويُشْرقُ )
( فأحسنُ شيءٍ بَدْءُ أوّلِ ليلِنا ... وآخِرُه حُزْنٌ إذا نتفرّقُ )
ذكر يحيى بن المكي أن الغناء في ستة أبيات متوالية من هذا الشعر لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى

عمر يقول الشعر في ليلى البكرية

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني مصعب قال
لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عمرو البكرية وهي تسير على بغلة لها وقد كان نسب بها فقال جعلني الله فداك عرجي هاهنا أسمعك بعض ما قلته فيك قالت أوقد فعلت قال نعم فوقفت وقالت هات فأنشدها

صوت

( ألاَ يالَيْلُ إنّ شِفَاءَ نفسي ... نَوَالُكِ إن بَخِلْتِ فَنَوِّلِينَا )
( وقد حضر الرَّحِيلُ وحان منَّا ... فِرَاقُكِ فانْظُرِي ما تأمُرِينَا )

فقالت آمرك بتقوى الله وإيثار طاعته وترك ما أنت عليه ثم صاحت ببغلتها ومضت
وفي هذين البيتين لابن سريج خفيف ثقيل بالوسطى عن يحيى المكي وذكر الهشامي أنه من منحوله إلى ابن سريج وفيهما رمل طُنْبُورِيٌّ لأحمد بن صدقة

ليلى بنت الحارث البكرية تعنف عمر لتشبيبه بالنساء

أخبرني بذلك جحظة عنه وأخبرني بهذا الخبر عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن ابن الأعرابي أن ليلى هذه كانت جالسة في المسجد الحرام فرأت عمر بن أبي ربيعة فوجهت إليه مولى لها فجاءها به فقالت له يابن أبي ربيعة حتى متى لا تزال سادرا في حرم الله تشبب بالنساء وتشيد بذكرهن أما تخاف الله قال دعيني من ذاك واسمعي ما قلت قالت ما قلت فأنشدها الأبيات المذكورة فقالت له القول الذي تقدم أنها أجابته به قال وقال لها اسمعي أيضا ما قلت فيك ثم أنشدها قوله
( أمِنَ الرَّسْمِ وأَطْلاَلِ الدِّمَنْ ... عَاد لي وَجْدِي وعاودتُ الحَزَنْ )
( إنّ حبِّي آلَ ليلَى قاتلي ... ظهر الحبُّ بجسمي وبَطَنْ )
( يا أبا الحارث قلبي طائرٌ ... فأْتَمِرْ أمرَ رشيدٍ مؤتَمنْ )

( الْتَمِسْ للقلب وصلاً عندها ... إنّ خيرَ الوَصْلِ ما ليس يُمَنْ )
( عَلِقَ القلبُ وقد كان صَحا ... من بني بَكْرٍ غزالاً قد شَدَنْ )
( أحورَ المُقْلةِ كالبدر إذا ... قُلِّد الدُّرَّ فقلبي مُمْتَحَنْ )
( ليس حُبٌّ فوقَ ما أحببتُكم ... غيرَ أنْ أَقتُلَ نفسي أو أُجَنّ )
( خُلِقَتْ للقلب مِنِّي فِتْنَةً ... هكذا يُخْلَقُ معروضُ الفِتَنْ )
قال وفيها يقول
( إنّ ليلَى وقد بلغتُ المَشيبا ... لم تَدَعْ للنساء عندي نصيبَا )
( هاجِرٌ بيتَها لأَنْفِيَ عنها ... قولَ ذي العيب إن أرادَ عيوبا )

اجتماع المغنين على شعر عمر

الغناء في الأبيات الأولى النونية لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وفيها لابن عائشة ثقيل أول يقال إنه أول ثقيل غناه كان يغني الخفيف فعيب بذلك فصنع هذا اللحن وفيه لعبد الله بن يونس الأُبُلِّي رمل عن الهشامي
والغناء في
( إنّ لَيلَى وقد بلغتُ المشيبا ... )
لابن سريج رمل بالوسطى عن عمر وفيه لكردم ثقيل أول بالوسطى عن عمرو أيضا وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لعَطَرَّد ولم يجنسه

عمر يشبب بالنوار

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن منصور الأزدي قال حدثني أبي عن الهيثم بن عدي قال
بينما عمر بن أبي ربيعة منصرف من المزدلفة يريد منى إذ بصر بامرأة في رحالة ففتن وسمع عجوزاً معها تناديها يا نوار استتري لا يفضحك ابن أبي ربيعة فاتبعها عمر وقد شغلت قلبه حتى نزلت بمنى في مضرب قد ضرب لها فنزل إلى جنب المضرب ولم يزل يتلطف حتى جلس معها وحادثها وإذا أحسن الناس وجها وأحلاه منطقا فزاد ذلك في إعجاب عمر بها ثم أراد معاودتها فتعذر ذلك عليه وكان آخر عهده فقال فيها

صوت

( عَلِق النَّوارَ فُؤادُهُ جَهْلاَ ... وصَبَا فلم تترك له عقلا )
( وتعرّضتْ لي في المَسيرِ فما ... أمسى الفؤادُ يَرى لها مِثْلا )
( ما نعجةٌ من وحش ذِي بَقَرٍ ... تَغْذُو بسَقْط صَرِيمةٍ طِفْلا )
( بألَذَّ منها إذ تقول لنا ... وأردتُ كَشْفَ قِناعها مَهْلا )
( دعْنا فإنك لا مُكارمةً ... تَجزي ولَسْتَ بواصلٍ حَبْلا )
( وعليكَ مَنْ تَبَلَ الفؤادَ وإن ... أمسَى لقلبك ذِكرهُ شُغْلا )

( فأجبتُها إنّ المحبّ مُكَلَّفٌ ... فدَعِي العِتَابَ وأحدِثِي بَذْلا )
الغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه ثاني ثقيل بالبنصر ينسب إلى ابن عائشة

قصة عمر مع أم الحكم الأموية وما قاله فيها من الشعر

أخبرني محمد بن خلف قال حدثني أبو عبد الله السدوسي عن عيسى بن إسماعيل العتكي عن هشام بن الكلبي عن أبيه قال
حجت امرأة من بني أمية يقال لها أم الحكم فقدمت قبل أوان الحج معتمرة فبينا هي تطوف على بغلة لها إذ مرت على عمر بن أبي ربيعة في نفر من بني مخزوم وهم جلوس يتحدثون وقد فرعهم طولا وجهرهم جمالا وبهرهم شارة وعارضة وبيانا فمالت إليهم ونزلت عندهم فتحدثت معهم طويلا ثم انصرفت ولم يزل عمر يتردد إليها إلى أن انقضت أيام الحج فرحلت إلى الشأم وفيها يقول عمر
( تأوب لَيْلى بنَصبٍ وهَمّْ ... وعاودتُ ذِكْرَى لأُمّ الحَكَمْ )
( فبِتُّ أراقِبُ ليلَ التِّمام ... مَنْ نام من عاشقٍ لم أنَمْ )
( فإنما تَرَيْني على ما عَزَا ... ضعيفَ القيامِ شديدَ السَّقَمْ )
( كثير التقلّب فوقَ الفِرَاش ... ِ ما إن تُقِلُّ قيامِي قَدَمْ )
( بآنسةٍ طيب نشرها ... هَضيم الحَشَا عَذْبةِ المُبتَسَمْ )

في أول الأبيات الثلاثة غناء وقبلها وهو أول الصوت

صوت

( وفتيانِ صدقٍ صِباحِ الوجوه ... لا يَجِدُون لشيءٍ ألَمْ )
( مِن آل المُغِيرة لا يَشْهدُون ... عند المَجَازِرِ لَحْمَ الوَضَمْ )
الغناء في هذه الأبيات لمالك خفيف ثقيل الثاني بالبنصر وهو الذي يقال له المَاخُورِيُّ عن عمرو وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى ابن سريج والغريض ودحمان وفيه لابن المكي خفيف رمل
رسول سكينة بنت الحسين ( ع ) إلى عمر
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن أبي عبد الله الزبيري قال
اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه فتشوقن إليه وتمنينه فقالت سكينة بنت الحسين عليهما السلام أنا لكن به فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصورين وسمت له الليلة والوقت وواعدت صواحباتها فوافاهن عمر على راحلته فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن فقال لهن والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول

الله والصلاة في مسجده ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئا ثم انصرف إلى مكة وقال

صوت

( قالت سُكَينةُ والدموعُ ذَوَارِفٌ ... منها على الخَدَّيْنِ والجِلْبابِ )
( ليتَ المُغِيريَّ الذي لم أجزه ... فيما أطال تصيُّدي وطِلاَبِي )
( كانت تردُّ لنا المُنَى أيّامنا ... إذ لا نُلاَمُ على هَوًى وتَصَابِي )
( خُبِّرتُ ما قالتْ فبِتُّ كأنّما ... تَرْمِي الحَشَا بنَوافِذِ النُّشَّابِ )
( أسُكَيْنُ ما ماءُ الفُراتِ وطِيبُه ... مِنِّي على ظمأٍ وفَقْد شَرَابِ )
( بألذَّ منكِ وإن نأيتِ وقَلَّما ... ترعَى النساءُ أمانةَ الغُيَّابِ )
الغناء للهذلي رمل بالوسطى عن الهشامي وفيه للغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش قال وقال فيها

عمر يقول الشعر في سكينة

صوت

( أُحِبُّ لحبِك مَنْ لم يكن ... صَفِيًّا لنفسي ولا صاحبَا )
( وأَبذُلُ نفسي لمَرْضاتكم ... وأُعتِبُ مَنْ جاءكم عَاتِبا )
( وأرغَبُ في وُدِّ مَنْ لم أكن ... إلى ودِّه قبلَكم راغبا )
( ولو سلَك الناسُ في جانبٍ ... مِن الأرض واعتزلتْ جانبا )

( ليَمَّمْتُ طِيَّتَها إنَّني ... أرى قُرْبَها العَجَبَ العاجبا )
( فما نَعْجةٌ من ظباء الأراك ... ِ تَقْرُو دَمِيثَ الرُّبَا عاشِبا )
( بأحسنَ منها غَدَاةَ الغَمِيم ... وقد أبدتِ الخَدَّ والحاجبا )
( غداةَ تقولُ على رِقْبَةٍ ... لخادمِها يا احْبسي الراكبا )
( فقالت لها فيمَ هذا الكلامُ ... وأبدت لها عابساً قاطِبا )
( فقالت كريمٌ أتى زائراً ... يَمُرُّ بكم هكذا جانبا )
( شريفٌ أتى رَبْعَنا زائراً ... فأَكْرَهُ رجعتَه خائبَا )
غنى في الأول والثاني والرابع والخامس من هذه الأبيات ابن القفاص المكي ولحنه رمل من رواية الهشامي
وحدثني وكيع وابن المرزبان وعمي قالوا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا محمد بن معن الغفاري قال حدثني سفيان بن عيينة قال

بينا أنا ومسعر بن كدام مع إسماعيل بن أمية بفناء الكعبة إذا بعجوز قد طلعت علينا عوراء متكئة على عصا يصفق أحد لَحْيَيْها على الآخر فوقفت على إسماعيل فسلمت عليه فرد عليها السلام وسألها فأحفى المسألة ثم انصرفت فقال إسماعيل لا إله إلا الله ماذا تفعل الدنيا بأهلها ثم أقبل علينا فقال أتعرفان هذه قلنا لا والله ومن هي قال هذه بَغُومُ ابن أبي ربيعة التي يقول فيها
( حَبَّذا أنتِ يا بَغُومُ وأسماءُ ... وعِيصٌ يَكُنُّنا وخَلاَءُ )
انظرا كيف صارت وما كان بمكة امرأة أجمل منها قال فقال له مسعر لا ورب هذه البنية ما أرى أنه كان عند هذه خير قط وفي هذه الأبيات يقول عمر

عمر والبغوم وأسماء والرباب

صوت

( صَرَمتْ حَبْلَكَ البغومُ وصَدَّتْ ... عنكَ في غير رِيبَةٍ أسماءُ )
( والغَوَانِي إذا رأينَكَ كَهْلاً ... كان فيهنّ عن هَواكَ الْتِوَاءُ )
( حَبَّذَا أنتِ يا بَغُومُ وأسما ... ءُ وعِيصٌ يكنُّنا وخَلاَءُ )
( ولقد قلتُ ليلةَ الجَزْلِ لمّا ... أخضلتْ رَيْطتي عليّ السماءُ )

( ليتَ شِعْرِي وهل يَرُدَّنَّ لَيْتٌ ... هل لهذا عند الرَّبَاب جزاءُ )
( كُلُّ وَصْلٍ أَمْسَى لديَّ لأنثى ... غيرِها وَصْلُها إليها أداءُ )
( كل خَلْقٍ وإنْ دنا لوِصَالٍ ... أو نأى فهو للرَّبَاب الفِدَاءُ )
( فعِدِي نائلاً وإن لم تُنِيلي ... إنّما يَنْفَعُ المحب الرجاءُ )
لمعبد في ولقد قلت ليلة الجزل والذي بعده خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن يونس وإسحاق ودنانير وهو من مشهور غنائه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب عن ذهيبة مولاة محمد بن مصعب بن الزبير قالت

البغوم وأسماء تغنيان لعمر

كنت عند أمة الواحد أو أمة المجيد بنت عمر بن أبي ربيعة في الجنبذ الذي في بيت سكينة بنت خالد بن مصعب أنا وأبوها عمر وجاريتان له تغنيان يقال لإحداهما البغوم والأخرى أسماء وكانت أمة المجيد بنت عمر تحت محمد ابن مصعب بن الزبير قالت فقال عمر بن أبي ربيعة وهو معهم في الجنبذ هذه الأبيات فلما انتهى إلى قوله
( ولقد قلتُ ليلةَ الجَزْل لمّا ... أَخْضَلتْ رَيْطتِي عليَّ السماءُ )
خرجت البغوم ثم رجعت إليه فقالت ما رأيت أكذب منك يا عمر تزعم أنك

بالجزل وأنت في جنبذ محمد بن مصعب وتزعم أن السماء أخضلت ريطتك وليس في السماء قزعة قال هكذا يستقيم هذا الشأن
وأخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي ومحمد بن سلام أن عمر أنشد ابن أبي عتيق قوله
( حَبّذا أنتِ يا بغومُ وأسماءُ ... وعِيصٌ يَكُنُّنا وخلاءُ )
فقال له ما أبقيت شيئا يتمنى يا أبا الخطاب إلا مرجلا يسخن لكم فيه الماء للغسل
أخبرني ابن المرزبان قال حدثني إسماعيل بن جعفر عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال
حجت أم محمد بنت مروان بن الحكم فلما قضت نسكها أتت عمر بن أبي ربيعة وقد أخفت نفسها في نسوة فحدثها مليا فلما انصرفت أتبعها عمر رسولا عرف موضعها وسأل عنها حتى أثبتها فعادت إليه بعد ذلك فأخبرها بمعرفته إياها فقالت نشدتك الله أن تشهرني بشعرك وبعثت إليه بألف دينار فقبلها وابتاع بها حللا وطيبا فأهداه إليها فردته فقال لها والله لئن لم تقبليه

لأنهبنه فيكون مشهورا فقبلته ورحلت فقال فيها

صوت

( أيُّها الراكبُ المُجِدُّ ابْتِكَارَا ... قد قَضَى من تِهَامَةَ الأَوْطَارَا )
( من يَكُنْ قلبُه صَحِيحاً سَلِيماً ... ففُؤَادِي بالخَيْفِ أَمْسَى مُعَارَا )
( ليتَ ذا الدهرَ كان حَتْماً علينا ... كلَّ يومين حِجَّةً واعتِمارَا )
الغناء لابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه أيضا له خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكي وفيه لذكاء وجه الرزة المعتمدي ثقيل أول من جيد الغناء وفاخر الصنعة ليس لأحد من طبقته وأهل صنعته مثله وأنشد ابن أبي عتيق قول عمر هذا فقال الله أرحم بعباده أن يجعل عليهم ما سألته ليتم لك فسقك

القسم الكاذب

أخبرني ابن المرزبان قال أخبرني أحمد بن يحيى القرشي عن أبي الحسن الأزدي عن جماعة من الرواة
أن عمر كان يهوى حميدة جارية ابن تفاحة وفيها يقول

صوت

( حُمِّلَ القلبُ من حُمَيدةَ ثِقْلاَ ... إنّ في ذاك للفؤاد لشُغْلاَ )
( إنْ فعلتُ الذي سألتِ فقُولِي ... حَمْدُ خيراً وأَتْبِعِي القولَ فِعْلا )
( وصِلِينِي فأُشْهِدُ اللهَ أنِّي ... لستُ أُصْفِي سواكِ ما عشتَ وَصلاَ )

الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن يحيى المكي والهشامي وفيها يقول
صوت
( يا قلبُ هل لك عن حُمَيدةَ زاجرُ ... أم أنت مُدَّكِرُ الحياء فصابر )
( فالقلبُ من ذِكْرَى حمَيدةَ مُوجَعٌ ... والدَّمْعُ مُنْحَدِرٌ وعَظْمِي فاترُ )
( قد كنتُ أحسِبُ أنَّني قبل الذي ... فعلتْ على ما عند حَمْدَةَ قادرُ )
( حتى بَدَا لي من حُمَيدةَ خُلَّتِي ... بَيْنٌ وكنتُ من الفِراق أُحاذرُ )
الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق

عمر وبعض جواري بني أمية في موسم الحج وما دار بينهم من حديث

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو مسلم المستملي عن ابن أخي زرقان عن أبيه قال
أدركت مولى لعمر بن أبي ربيعة شيخا كبيراً فقلت له حدثني عن عمر بحديث غريب فقال نعم كنت معه ذات يوم فاجتاز به نسوة من جواري بني أمية قد حججن فتعرض لهن وحادثهن وناشدهن مدة أيام حجهن ثم قالت له إحداهن يا أبا الخطاب إنا خارجات في غد فابعث مولاك هذا إلى منزلنا ندفع إليه تذكرة تكون عندك تذكرنا بها فسر بذلك ووجه بي إليهن في السحر

فوجدتهن يركبن فقلن لعجوز معهن يا فلانة ادفعي إلى مولىأبي الخطاب التذكرة التي أتحفناه بها فأخرجت إلي صندوقا لطيفا مقفلا مختوما فقلن ادفعه إليه وارتحلن فجئته به وأنا أظن أنه قد أودع طيبا أو جوهرا ففتحه عمر فإذا هو مملوء من المضارب وهي الكيرِنْجَاتُ وإذا على كل واحد منها اسم رجل من مجان مكة وفيها اثنان كبيران عظيمان على أحدهما الحارث بن خالد وهو يومئذ أمير مكة وعلى الآخر عمر بن أبي ربيعة فضحك وقال تماجن علي ونفذ لهن ثم أصلح مأدبة ودعا كل واحد ممن له اسم في تلك المضارب فلما أكلوا واطمأنوا للجلوس قال هات يا غلام تلك الوديعة فجئته بالصندوق ففتحه ودفع إلى الحارث الكِيرِنْجَ الذي عليه اسمه فلما أخذه وكشف عنه غطاءه فرع وقال ما هذا أخزاك الله فقال له رويدا اصبر حتى ترى ثم أخرج واحدا واحدا فدفعه إلى من عليه اسمه حتى فرقها فيهم ثم أخرج الذي باسمه وقال هذا لي فقالوا له ويحك ما هذا فحدثهم بالخبر فعجبوا منه وما زالوا يتمازحون بذلك دهرا طويلا ويضحكون منه

المرأة التي تأمر تربها بالتصدي لعمر في طوافه

قال وحدثني هذا المولى قال كنت مع عمر وقد أسن وضعف فخرج يوما يمشي متوكئا على يدي حتى مر بعجوز جالسة فقال لي هذه فلانة وكانت إلفا

لي وعدل إليها فسلم عليها وجلس عندها وجعل يحادثها ثم قال هذه التي أقول فيها

صوت

( أبصرْتُها ليلةً ونِسْوَتَها ... يَمْشِينَ بين المَقَام والحَجَرِ )
( بِيضاً حِسَاناً نَوَاعِماً قُطُفاً ... يَمْشِينَ هَوْناً كمِشْيَةِ البَقَرِ )
( قالت لِتِرْبٍ لها تُلاطِفُها ... لَنُفْسِدَنَّ الطَّوافَ في عُمَرِ )
( قُومِي تَصَدَّيْ له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أُختِ في خَفَرِ )
( قالتْ لها قد غَمَزْتُه فأَبَى ... ثم اسبَطَرَّتْ تَشْتَدُّ في أَثَرِي )
( بل يا خليليَّ عادني ذِكَرِي ... بل اعترتْنِي الهُمُومُ بالسَّهَرِ )
الغناء لابن سريج في السادس والأول والثاني خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وفيها لسنان الكاتب رمل بالوسطى عنه وعن يونس وفيه للأبجر خفيف رمل بالوسطى عنه وفي
( قالت لتربٍ لها تُلاطِفها ... )
لعبد الله بن العباس خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي وفيه للدلال خفيف ثقيل عنه أيضا ولأبي سعيد مولى فائد في الأول والثاني ثقيل أول عن الهشامي أيضا ومن الناس من ينسب لحنه إلى سنان الكاتب وينسب لحن سنان إليه

حكاية عمر مع البنات اللاتي ينظرن إليه من ثقب المضرب

قال وجلس معها يحادثها فأطلعت رأسها إلى البيت وقالت يا بناتي هذا أبو الخطاب عمر بن أبي ربيعة عندي فإن كنتن تشتهين أن ترينه فتعالين فجئن إلى مضرب قد حجزن به دون بابها فجعلن يثقبنه ويضعن أعينهن عليه يبصرن فاستسقاها عمر فقالت له أيُّ الشراب أحب إليك قال الماء فأتي بإناء فيه ماء فشرب منه ثم ملأ فمه فمجه عليهن في وجوههن من وراء الحاجز فصاح الجواري وتهاربن وجعلن يضحكن فقالت له العجوز ويلك لا تدع مجونك وسفهك مع هذه السن فقال لا تلوميني فما ملكت نفسي لما سمعت من حركاتهن أن فعلت ما رأيت

عمر يرتحل إلى العراق في طلب امرأة رآها في الطواف ثم يعود خائبا

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن منصور بن أبي العلاء الهمداني قال حدثني علي بن طريف الأسدي قال
سمعت أبي يقول بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى امرأة من أهل العراق فأعجبه جمالها فمشى معها حتى عرف موضعها ثم أتاها فحادثها وناشدها وناشدته وخطبها فقالت إن هذا لا يصلح هاهنا ولكن إن جئتني إلى بلدي وخطبتني إلى أهلي تزوجتك فلما ارتحلوا جاء إلى صديق له من بني سهم وقال له إن لي إليك حاجة أريد أن تساعدني عليها فقال له نعم فأخذ بيده ولم يذكر له ما هي ثم أتى منزله فركب نجيبا له وأركبه نجيبا آخر وأخذ معه ما يصلحه

وسارا لا يشك السهميَّ في أنه يريد سفر يوم أو يومين فما زال يحفد حتى لحق بالرفقة ثم سار بسيرهم يحادث المرأة طول طريقه ويسايرها وينزل عندها إذا نزلت حتى ورد العراق فأقام أياما ثم راسلها يتنجزها وعدها فأعلمته أنها كانت متزوجة ابن عم لها وولدت منه أولادا ثم مات وأوصى بهم وبماله إليها ما لم تتزوج وأنها تخاف فرقة أولادها وزوال النعمة وبعثت إليه بخمسة آلاف درهم واعتذرت فردها عليها ورحل إلى مكة وقال في ذلك قصيدته التي أولها

صوت

( نام صَحْبِي ولم أَنَمْ ... من خَيال بنا أَلَمّْ )
( طافَ بالركبِ مَوْهِناً ... بين خَاخٍ إلى إضَمْ )
( ثم نَبّهتُ صاحباً ... طَيِّبَ الخِيم والشِّيَمْ )
( أَرْيَحِيَّا مُساعِداً ... غيرَ نِكْسٍ ولا بَرَمْ )
( قلتُ يا عَمْرُو شَفَّني ... لاعجُ الحُبِّ والألَمْ )

( إِيتِ هِنداً فقُلْ لها ... ليلةَ الخَيْف ذي السَّلَمْ )
الغناء لمالك خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس وفيه لعبد الله بن العباس الربيعي خفيف رمل من رواية عمرو بن بانة وذكر حبش أن لحن عبد الله بن العباس رمل آخر عن الهشامي

جرير يشهد لعمر بالشعر

أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا الحسين بن إسماعيل عن ابن عائشة عن أبيه قال
كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد حتى أنشد قوله
( رأتْ رجُلاً أمّا إذا الشمسُ عارضتْ ... فَيضْحَى وأمّا بالعَشِيِّ فيَخْصَرُ )
الأبيات فقال مازال هذا يهذي حتى قال الشعر

حنين عمر إلى الماضي

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن محمد بن أبان قال أخبرني العتبي عن أبي زيد الزبيري عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي قال
أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين وهو في مجلس قومه من بني

مخزوم فانتظرت حتى تفرق القوم ثم دنوت منه ومعي صاحب لي ظريف وكان قد قال لي تعال حتى نهيجه على ذكر الغزل فننظر هل بقي في نفسه منه شيء فقال له صاحبي يا أبا الخطاب أكرمك الله لقد أحسن العذري وأجاد فيما قال فنظر عمر إليه ثم قال له وماذا قال قال حيث يقول
( لو جُدَّ بالسَّيف رأْسي في مَوَدَّتها ... لمَرَ يَهْوي سريعاً نحوَها رَاسِي )
قال فارتاح عمر إلى قوله وقال هاه لقد أجاد وأحسن فقلت ولله در جنادة العذري فقال عمر حيث يقول ماذا ويحك فقلت حيث يقول
( سَرَتْ لِعَيْنِكَ سَلْمَى بعد مَغْفَاها ... فبِتَّ مُستنبِهاً من بعد مَسْرَاها )
( وقلتُ أهلاً وسهلاً مَنْ هدَاكِ لنا ... إن كنتِ تِمْثَالها أو كنتِ إيَّاها )
( مِن حبِّها أتمنَّى أن يلاقينِي ... مِنْ نَحْوِ بلدتها ناعٍ فيَنْعَاها )
( كيما أقول فراقٌ لا لِقَاءَ له ... وتُضْمِرُ النفسُ يأساً ثم تَسْلاَها )
( ولو تموتُ لراعتْني وقُلْتُ أَلاَ ... يا بُؤْسَ للموتِ ليتَ الموتَ أبقاها )
قال فضحك عمر ثم قال وأبيك لقد أحسن وأجاد وما أبقى ولقد هيجتما علي ساكنا وذكرتماني ما كان عني غائبا ولأحدثنكما حديثا حلوا

عمر يجتمع متنكرا مع هند بنت الحارث المرية ورفيقاتها

بينا أنا منذ أعوام جالس إذ أتاني خالد الخريت فقال لي يا أبا الخطاب مرت بي أربع نسوة قبيل العشاء يردن موضع كذا وكذا لم أر مثلهن في بدو ولا

حضر فيهن هند بنت الحارث المرية فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن وتتمتع بالنظر إليهن ولا يعلمن من أنت فقلت له ويحك وكيف لي أن أخفي نفسي قال تلبس لبسة أعرابي ثم تجلس على قعود ثم ائتهن فسلم عليهن فلا يشعرن إلا بك قد هجمت عليهن ففعلت ما قال وجلست على قعود ثم أتيتهن فسلمت عليهن ثم وقفت بقربهن فسألنني أن أنشدهن وأحدثهن فأنشدتهن لكثير وجميل والأحوص ونصيب وغيرهم فقلن لي ويحك يا أعرابي ما أملحك وأظرفك لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا فإذا أمسيت انصرفت في حفظ الله قال فأنخت بعيري ثم تحدثت معهن وأنشدتهن فسررن بي وجذلن بقربي وأعجبهن حديثي قال ثم إنهن تغامزن وجعل بعضهن يقول لبعض كأنا نعرف هذا الأعرابي ما أشبهه بعمر بن أبي ربيعة فقالت إحداهن فهو والله عمر فمدت هند يدها فانتزعت عمامتي فألقتها عن رأسي ثم قالت لي هيه يا عمر أتراك خدعتنا منذ اليوم بل نحن والله خدعناك واحتلنا عليك بخالد فأرسلناه إليك لتأتينا في أسوإ هيئة ونحن كما ترى قال عمر ثم أخذنا في الحديث فقالت هند ويحك يا عمر اسمع مني لو رأيتني منذ أيام وأصبحت عند أهلي فأدخلت رأسي في جيبي فنظرت إلى حري فإذا هو ملء الكف ومنية المتمني فناديت يا عمراه يا عمراه قال عمر فصحت يا لبيكاه يا لبيكاه ثلاثا ومددت في الثالثة صوتي فضحكت وحادثتهن ساعة ثم ودعتهن وانصرفت فذلك قولي

صوت

( عَرَفتُ مَصِيفَ الحيِّ والمتربَّعا ... ببَطْنِ حُلَيَّاتٍ دوارسَ بَلْقَعَا )
( إلى السَّفْحِ من وادي المُغَمَّس بُدِّلتْ ... مَعالمُهُ وَبْلاً ونَكْباءَ زَعْزَعَا )
( لهندٍ وأترابٍ لهندٍ إذِ الهوى ... جميعٌ وإِذ لم نَخْشَ أن يَتَصدَّعَا )
( وإذ نحن مثلُ الماء كان مِزاجُه ... كما صَفَّقَ الساقي الرحيقَ المُشَعْشَعَا )
( وإذ لا نُطِيعُ الكاشحين ولا نرى ... لواشٍ لدينا يطلب الصُّرْمَ موضِعَا )
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي ومن نسخة عمرو الثانية وفيه لابن جامع وابن عباد لحنان من كتاب إبراهيم وفيها يقول وفيه غناء
صوت
( فلمّا تواقفنا وسلَّمتُ أشرقتْ ... وجوهٌ زَهَاها الحسنُ أن تَتَقنَّعَا )
( تَبَالَهْنَ بالعِرْفانِ لمّا رَأَيْنَني ... وقُلْنَ امرؤ باغٍ أَكَلَّ وأَوضعَا )
( وقَرَّبْنَ أسبابَ الهوى لِمُتَيَّمٍ ... يقيسُ ذِراعاً كلّما قِسْنَ إصبَعا )
الغناء لابن عباد رمل عن الهشامي وفيه لابن جامع لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس هذه الأبيات مقرونة بالأولى والصنعة في جميعها مختلفة يغني المغنون بعض هذه وبعض تلك ويخلطونهما والصنعة لمن قدمت ذكره وهي قصيدة طويلة ذكرت منها ما فيه صنعة

ومما قاله في هند هذه وغني فيه قوله

صوت

( ألم تسألِ الأَطْلالَ والمنزِلَ الخَلَق ... ببُرْقَةِ ذي ضَالٍ فَيُخبِرَ إنْ نَطَقْ )
( ذكرتُ به هنداً فَظِلْتُ كأنّني ... أخو نَشْوةٍ لاقَى الحوانيت فاغتَبَقْ )
الغناء لعطرد ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وذكر حبش أن فيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى ومنها

من بديع شعره في هند

صوت

( أصبحَ القلبُ مَهِيضا ... رَاجَعَ الحُبَّ الغَرِيضَا )

( وأجدَّ الشوقَ وَهْناً ... أَن رأى بَرْقاً ومِيضَا )
( ثم باتَ الرَّكْبُ نُوَّاماً ... ولم أَطْعَمْ غُموضَا )
( ذاك من هندٍ قديماً ... تَرْكُها القلبَ مَهِيضَا )
( وتَبدَّتْ ثم أَبْدتْ ... واضحَ اللَّوْنِ نَحِيضَا )
( وعِذَابَ الطَّعْمِ غُرَّاً ... كأَقَاحِي الرّملِ بِيضَا )
الغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر وفيه لحكم هزج بالوسطى عن عمرو وقيل إنه يمان ومن الناس من ينسب لحن ابن محرز إلى ابن مسجح ومنها
صوت
( أَرِبْتُ إلى هندٍ وتِرْبَيْنِ مرةً ... لها إذ تواقَفْنا بِفَرْع المُقطَّعِ )
( لِتَعْريج يومٍ أو لتَعْرِيس ليلةٍ ... علينا بَجْمع الشَّمْل قبلَ التَّصَدُّعِ )
( فقُلْنَ لها لولا ارتقابُ صَحَابةٍ ... لنا خَلْفَنا عُجْنا ولم نَتَوَرَّعِ )
( وقالت فتاةٌ كنتُ أحَسِبُ أنّها ... مُغَفَّلةٌ في مِئْزَرٍ لم تُدَرَّعِ )
( لهنّ وما شاوَرْنَها ليس ما أرى ... بحُسْن جزاءٍ للحبيبِ المودِّعِ )

( فقلن لها لا شَبَّ قَرْنُكِ فافْتَحي ... لنا باب ما يَخْفَى من الأمرِ نَسْمَعِ )
وهي أبيات الغناء للغريض ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر ابن المكي أنه لابن سريج ومنها

صوت

( لمَّا ألَمَّتْ بأصحابي وقد هَجَعُوا ... حَسِبْتُ وَسْطَ رِحَالِ القوم عَطَّارَا )
( فقلتُ مَنْ ذا المُحَيِّي وانتبهتُ له ... ومَنْ مُحَدِّثُنا هذا الذي زارَا )
( ألا انزِلوا نَعِمَتْ دارٌ بقربكُمُ ... أهلاً وسَهلاً بكم مِنْ زائرٍ زارَا )
( فَبُدِّلَ الرَّبْعُ ممّن كان يَسْكُنُهُ ... عُفْرَ الظِّباء به يَمْشينَ أَسْطَارَا )
الغناء لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه ليونس خفيف ثقيل وفيه لأبي فارة هزج بالنبصر وأول هذه القصيدة التي فيها ذكر هند قوله

هند التي لا شبيه لها

( يا صاحبيِّ قِفَا نَسْتَخْبِرِ الدارا ... أَقْوتْ وهاجتْ لنا بالنَّعْفِ تَذْكَارَا )
( وقد أرَى مَرَّةً سِرْباً بها حَسَناً ... مثلَ الجَآذِر لم يُمْسَسْنَ أبكارا )
( فِيهنّ هندٌ وهندٌ لا شبيهَ لها ... فيمَنْ أقام من الأحياء أو سَارَا )
( تقول ليت أبا الخَطَّاب وافقنا ... كي نَلْهُوَ اليومَ أو نُنْشَدَ أشعارا )
( فلم يَرُعْهُنَّ إلاّ العيِسُ طالعةً ... بالقوم يَحمِلْنَ رُكْباناً وأَكْوَارا )
( وفارسٌ يَحْمِلُ البازِي فقُلْنَ لها ... هَاهُمْ أولاءِ وما أكثرْنَ إكْثَارَا )
( لما وَقَفْنا وَعنَّنَّا ركائبَنا ... بُدِّلن بالعُرْفِ بعد الرَّجْع إنكارَا )
ومنها

صوت

( الَمْ تَرْبَعْ على الطَّلَلِ ... ومَغْنَى الحيِّ كالخِلَلِ )

( لهندٍ إنّ هنداً حُبُّها ... قد كان من شُغُلِي )
( فلمَّا أن عرَفْتُ الدارَ ... عُجْتُ لِرَسْمِها جَمَلِي )
( وقلتُ لصُحْبَتي عُوجُوا ... فعَاجُوا هِزَّة الإِبلِ )
( وقالوا قِفْ ولا تَعْجَلْ ... وإن كُنَّا على عَجَل )
( قليلٌ في هواكَ اليومَ ... ما تَلْقَى من العَمَلِ )
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه له أيضا رمل عن الهشامي وحبش ومنها
صوت
( هاج ذا القلبَ منزلُ ... بالْبُلَيَّيْنِ مُحْوِلُ )
( غيَّرتْ آيَهُ الصَّبا ... وجَنُوبٌ وشَمْأَلُ )
( إنّ هنداً قَدَ ارسَلتْ ... وأخو الشوقِ مُرْسِلُ )
( أرسَلتْ تَسْتَحِثُّنِي ... وتُفَدِّي وتَعْذُلُ )

( أَيُّنَا باتَ ليله ... بين غُصْنَيْن يُوبَلُ )
( تحتَ عَيْنٍ يكُنُّنَا ... بُرْدُ عَصْبٍ مُهَلْهَلُ )
في هذه الأبيات خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر ذكر إسحاق أنه لمالك وذكر عمرو أنه لابن محرز وذكر يونس أن فيها لحنا لابن محرز ولحنا لمالك وقال عمر في نسخته الثانية أنه لابن زرزر الطائفي خفيف ثقيل بالوسطى وروت مثل ذلك دنانير عن فليح وفيها لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيها لعبد الله بن موسى الهادي ثاني ثقيل من مجموعة ورواية الهشامي وفيه لحكم هزج بالخنصر والبنصر عن ابن المكي وفيه للحجبي رمل عن الهشامي وفيه ثقيل أول نسبه ابن المكي إلى ابن محرز وذكر الهشامي أنه منحول وفيه خفيف رمل ذكر الهشامي أنه لحن ابن محرز ومنها

صوت

( يا صَاحِ هل تَدْرِي وقد جَمَدتْ عينِي ... بما أَلْقَى من الوَجْدِ )
( لمّا رأيتُ دِيارَها دَرَستْ ... وتَبدَّلَتْ اعلامُها بَعْدِي )

( وذكرتُ مَجْلِسَها ومجلسنا ... ذاتَ العِشاء بمَهْبِط النَّجْدِ )
( ورسالةً منها تُعَاتبني ... فردَدْتُ مَعْتَبَةً على هِنْدِ )
الغناء ليحيى المكي رمل بالوسطى وفيه لغيره ألحان أخر ومنها

عمر يتغزل بهند

صوت

( ليتَ هنداً أنْجَزَتْنا ما تَعِدْ ... وشَفَتْ أنفسَنا مما تَجِدْ )
( واسْتَبدَّتْ مرّةً واحدةً ... إنّما العاجزُ مَنْ لا يَستَبِدّ )
( ولقد قالتْ لجاراتٍ لها ... ذات يومٍ وتَعَرَّتْ تَبْتَرِدْ )
ويروى
( زعَمُوها سألتْ جاراتها ... )
( أكَمَا يَنْعَتُنِي تُبْصرْنَنِي ... عَمْرَكُنَّ اللهَ أم لا يَقْتَصِدْ )
( فَتَضَاحَكْنَ وقد قُلْنَ لها ... حَسَنٌ في كلِّ عينٍ من تَوَدّ )
( حسداً حُمِّلْنَه من أَجْلِها ... وقديماً كان في الناسِ الحَسَدْ )
الغناء لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لحن لمالك من كتاب يونس غير مجنس وفيه لابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن

عمرو وذكره إسحاق في خفيف الثقيل بالخنصر في مجرى البنصر ولم ينسبه إلى أحد وفيه ثاني ثقيل يقال إنه لحن لمالك ويقال إنه لمتيم ومنها

صوت

( هاج القَرِيضَ الذِّكَرُ ... لمَا غَدَوْا فانْشَمَرُوا )
( على بِغَالٍ شُحَّج قد ضَمَّهُنَّ السَّفَرُ )
( فيهنّ هندٌ ليتني ... ما عُمِّرتْ أعَمَّرُ )
( حتّى إذا ما جاءها ... حَتْفٌ أتانِي القَدَرُ )
لابن سريج فيه لحنان رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وخفيف رمل عن الهشامي ومنها
صوت
( يا مَنْ لِقْلبٍ دَنِفٍ مُغْرَمِ ... هَامَ إلى هِنْدٍ ولم يَظْلِم )
( هَامَ إلى رِيمٍ هَضِيمِ الحَشا ... عذبِ الثَّنَايا طَيِّبِ المَبْسِمِ )
( لم أحْسَبِ الشمسَ بليلٍ بَدَتْ ... قَبْلِي لِذِي لَحْمٍ ولا ذي دَمِ )

( قالت ألاَ إنَّكَ ذو مَلَّة ... يَصْرِفُكَ الأدْنَى عن الأَقْدَمِ )
( قلتُ لها بل أنتِ مُعْتَلَّةٌ ... في الوَصْل يا هندُ لكي تَصْرِمِي )
الغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لبديح لحن قديم وقيل إن فيه رملا آخر لعمارة مولاة عبد الله بن جعفر ومنها

الحب المقيم

صوت

( تَصَابَى وما بعضُ التَّصَابِي بطَائِلِ ... وعاوَد من هندٍ جَوًى غيرُ زائِلِ )
( عَشِيَّةَ قالتْ صَدَّعَتْ غَرْبةُ النَّوَى ... فما من تَلاَقٍ قد أَرَى دونَ قَابِلِ )
( وما أنْسَ مِ الأشياءِ لا أنْسَ مَجْلِساً ... لنا مَرّةً منها بَقْرنِ المنازلِ )
( بنَخْلةَ بين النَّخْلتين يَكُنُّنا ... من العَيْن عند العَيْن بُرْدُ المَرَاجِلِ )
الغناء للغريض ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وفيه للعماني خفيف ثقيل عن دنانير والهشامي ومنها
صوت
( لَجَّ قلبي في التَّصَابي ... وازْدَهَى عنِّي شَبَابِي )

( ودَعَانِي لِهَوىَ هندٍ ... فوادٌ غيرُ نابي )
( قلتُ لَمّا فاضَتِ العَيْنانِ ... دَمْعاً ذا انْسِكَاب )
( إنْ جفَتْني اليومَ هندٌ ... بعدَ وُّدٍ واقترابِ )
( فسبيلُ الناس طُرَّا ... لفَناءٍ وذهابِ )
الغناء لأهل مكة رمل بالوسطى

عمر وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو علي الأسدي وهو بشر بن موسى بن صالح قال حدثني أبي موسى بن صالح عن أبي بكر القرشي قال
كان عمر بن أبي ربيعة جالسا بمنى في فناء مضربه وغلمانه حوله إذ أقبلت امرأة برزة عليها أثر النعمة فسلمت فرد عل يها عمر السلام فقالت له أنت عمر بن أبي ربيعة فقالت لها أنا هو فما حاجتك قالت له حياك الله وقربك هل لك في محادثة أحسن الناس وجها وأتمهم خلقا وأكملهم أدبا وأشرفهم حسبا قال ما أحب إلي ذلك قالت على شرط قال قولي قالت تمكنني من عينيك حتى أشدهما وأقودك حتى إذا توسطت الموضع الذي أريد حللت الشد ثم أفعل ذلك بك عند إخراجك حتى انتهي بك إلى مضربك قال

شأنك ففعلت ذلك به قال عمر فلما انتهت بي إلى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي فإذا أنا بامرأة على كرسي لم أر مثلها قط جمالا وكمالا فسلمت وجلست فقالت أأنت عمر بن أبي ربيعة قلت أنا عمر قالت أنت الفاضح للحرائر قلت وما ذاك جعلني الله فداءك قالت ألست القائل

صوت

( قالت وعَيْشِ أخي ونعمةِ والدي ... لأُنَبِّهنّ الحيَّ إن لم تَخْرُج )
( فخرجتُ خَوْفَ يمينِها فتبسَّمَتْ ... فعلِمتُ أن يمينَها لم تَحْرَجِ )
( فتناولتْ رأسي لِتعرِفَ مَسَّه ... بَمُخَضَّبِ الأطراف غيرِ مُشَنَّجِ )
( فَلثمْتُ فاها آخِذاً بقُرونِها ... شُرْبَ النَّزِيف ببَرْد ماء الحَشْرَج )
الغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر عن يونس وعمرو
ثم قالت قم فاخرج عني ثم قامت من مجلسها وجاءت المرأة فشدت عيني ثم أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي وانصرفت وتركتني فحللت

عيني وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله به أعلم وبت ليلتي فلما أصبحت إذا أنا بها فقالت هل لك في العود فقلت شأنك ففعلت بي مثل فعلها بالأمس حتى انتهت بي إلى الموضع فلما دخلت إذا بتلك الفتاة على كرسي فقالت إيه يا فضَّاح الحرائر قلت بماذا جعلني الله فداءك قالت بقولك
صوت
( ونَاهِدَةِ الثَدْيَيْنِ قلتُ لها اتَّكِي ... على الرملِ من جَبَّانةٍ لم تَوَسَّدِ )
( فقالتْ على اسمِ اللهِ أمرُك طاعةٌ ... وإن كنتُ قد كُلِّفتُ ما لم أُعَوَّدِ )
( فلمّا دنا الإِصباحُ قالت فضحتني ... فُقْم غيرَ مطرودٍ وإن شئتَ فازدَدِ )
الغناء لأهل مكة ثقيل أول عن الهشامي ثم قالت قم فاخرج عني فقمت فخرجت ثم رددت فقالت لي لولا وشك الرحيل وخوف الفوت ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك لأقصيتك هات الآن كلمني وحدثني وأنشدني فكلمت آدب الناس وأعلمهم بكل شيء ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا لي البيت فأخذت أنظر فإذا أنا بتور فيه خلوق فأدخلت يدي فيه ثم خبأتها

في ردني وجاءت تلك العجوز فشدت عيني ونهضت بي تقودني حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب ثم صرت إلى مضربي فدعوت غلماني فقلت أيكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كف فهو حر وله خمسائمة درهم فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال قم فنهضت معه فإذا أنا بالكف طرية وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك ابن مروان فأخذت في أهبة الرحيل فلما نفرت نفرت معها فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة فسألت عن ذلك فقيل لها هذا عمر بن أبي ربيعة فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه قولي له نشدتك الله والرحم أن تصحبني ويحك ما شأنك وما الذي تريد انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك فسارت العجوز إليه فأدت إليه ما قالت لها فاطمة فقال لست بمنصرف أو توجه إلي بقميصها الذي يلي جلدها فأخبرتها ففعلت ووجهت إليه بقميص من ثيابها فزاده ذلك شغفا ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك
( ضاق الغَدَاةَ بحاجتِي صَدْرِي ... ويئستُ بعد تَقَارُبِ الأمرِ )
( وذكرتُ فاطمةَ التي عُلِّقتُها ... عَرَضاً فيا لِحَوَادث الدَّهْرِ )
وفي هذه القصيدة مما يغنى فيه قوله

صوت

( مَمْكُورةٌ رَدْعُ العَبِيرِ بها ... جَمُّ العِظَام لطيفةٌ الخصرِ )
( وكأنَّ فَاهَا عند رَقْدَتِها ... تَجْرِي عليه سُلاَفَةُ الخَمْرِ )
الغناء لإبراهيم بن المهدي ثاني ثقيل من جامعه وفيه لمتيم رمل من جامعها أيضا وتمام الأبيات وليست فيه صنعة
( فسَبَتْ فؤادي إذ عَرضْتُ لها ... يومَ الرَّحِيلِ بساحة القَصْرِ )
( بمُزَيَّنٍ رَدْعُ العَبِير به ... حَسَنِ التَّرَائِبِ واضِح النَّحْرِ )
( وبِجيدِ آدَمَ شَادِنٍ خَرق ... يَرْعَى الرِّيَاض ببلدةٍ قَفْرِ )
( لمّا رأيتُ مَطِيّها حِزَقاً ... خَفَقَ الفؤادُ وكنتُ ذا صبرِ )
( وتبادرَتْ عَيْنَايَ بعدهُم ... وانهلَّ دمعُهما على ا لصَّدْرِ )
( ولقد عَصَيتُ ذَوِي القَرَابَةِ فيكمُ ... طُرّاً وأهلَ الوُدِّ والصِّهْر )
( حتى لقد قالوا وما كَذبوا ... أجُنِنتَ أم بك داخلُ السِّحْرِ )

أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إسحاق عن محمد بن أبان قال حدثني الوليد بن هشام القحذمي عن أبي معاذ القرشي قال
لما قدمت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان مكة جعل عمر بن أبي ربيعة يدور حولها ويقول فيها الشعر ولا يذكرها باسمها فرقا من عبد الملك بن مروان ومن الحجاج لأنه كان كتب إليه يتوعده إن ذكرها أو عرض باسمها فلما قضت حجها وارتحلت أنشأ يقول
صوت
( كِدْتُ يومَ الرَّحِيل أقضِي حياتي ... ليتَني مُتُّ قبلَ يوم الرَّحِيلِ )
( لا أطِيقُ الكلامَ من شدّة الخوفِ ... ودَمْعِي يَسِيلُ كلَّ مَسِيلِ )
( ذَرَفَتْ عينُها وفاضتْ دُموعِي ... وكِلانَا يَلْقَى بلُبٍّ أصِيلِ )
( لو خَلَتْ خُلَّتِي أصبتُ نَوالاً ... أَوْ حدِيثاً يَشْفِي مِنَ التَّنْوِيلِ )
( ولَظَلَّ الخَلْخَالُ فوقَ الحَشَايَا ... مثلَ أثناءِ حَيَّةٍ مَقْتُولِ )
( فلقَدْ قالَتِ الحبيبَةُ لولاَ ... كثرةُ الناسِ جُدْتُ بالتَّقْبِيلِ )
غنى فيه ابن محرز ولحنه ثقيل أول من أصوات قليلة الأشباه عن إسحاق وفيه لعبادل خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو ويقال إنه للهذلي وفيه لعبيد الله بن أبي غسان ثاني ثقيل عن الهشامي
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أبو علي الحسن بن لصباح عن محمد بن حبيب أنه أخبره أن عمر بن أبي ربيعة قال في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان

صوت

( يا خَلِيلي شَفَّنِي الذِّكَرُ ... وحُمُولُ الحيّ إذ صَدَرُوا )
( ضَرَبُوا حُمْرَ القِبَابِ لها ... وأُدِيرتْ حولَها الحُجَرُ )
( سلَكُوا شِعْبَ النِّقَابِ بها ... زُمَراً تَحْتَثُّها زُمَرُ )
( وطَرَقْتُ الحيَّ مُكتَتِماً ... ومَعِي عَضْبٌ به أثرُ )
( وأخٌ لم أخشَ نَبْوتَه ... بنَوَاحي أمرِهِمْ خَبِرُ )
( فإذا رِيمٌ على فُرُشٍ ... في حِجَال الخَزّ مُخْتَدِرُ )
( حَوْلَه الأحْراسُ ترقُبه ... نُوّمٌ من طول ما سَهِرُوا )
( شَبَهُ القَتْلى وما قُتِلُوا ... ذاكَ إلاّ أنهم سَمَرُوا )
( فدَعَتْ بالوَيْل ثم دَعَتْ ... حُرَّةً من شأنها الخَفَرُ )
( ثم قالتْ للّتي مَعَها ... وَيْحَ نَفْسِي قد أتى عمرُ )
( مَا لَه قد جاء يَطْرُقُنا ... ويَرَى الأعداءَ قد حَضَرُوا )

( لِشَقائِي كانَ عُلِّقنَا ... ولِحَيْنِي ساقه القَدَرُ )
( قلتُ عِرضِي دُونَ عِرضِكُمُ ... ولِمَنْ نَاوَاكُمُ الحَجَرُ )
هذا البيت الأخير مما فيه غناء مع
( وطرَقْتُ الحيَّ مكتتِما ... )
للغريض
وفي
( يا خَليلي شَفَّني الذِّكَرُ ... )
وفي
( قلتُ عِرْضِي دونَ عِرْضِكُم )
وفي
( ثمَّ قالتْ للتي معها ... )
وفي
( ما له قد جاء يطرقُنا ... )
ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو
وفي
( ضرَبُوا حُمْرَ القِبَاب لها ... )
وما بعده أربعة متوالية خفيف رمل بالوسطى للهذلي

وفي وطرقت وبعده فإذا ريم وبعده حوله الأحراس والبيتين اللذين بعده لابن سريج خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وفيها بعينها ثقيل أول يقال إنه للأبجر وينسب إلى غيره عن الهشامي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن رجل من قريش قال
بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وكانت من أجمل أهل دهرها وهي تريد الركن تستلمه فبهت لما رآها ورأته وعلمت أنها قد وقعت في نفسه فبعثت إليه بجارية لها وقالت قولي له اتق الله ولا تقل هجرا فإن هذا مقام لا بد فيه مما رأيت فقال للجارية أقرئيها السلام وقولي لها ابن عمك لا يقول إلا خيرا وقال فيها
صوت
( لعائشة ابنةِ التَّيْميّ عندي ... حِمىً في القلبِ ما يُرْعَى حِمَاها )
( يُذَكِّرُني ابنةَ التَّيْمي ظبيٌ ... يَرُودُ بَروْضَةٍ سَهْلٍ رُبَاها )
( فقلتُ له وكاد يُرَاعُ قلبي ... فلم أرَ قَطُّ كاليوم اشتبِاهَا )
( سِوَى حَمْشٍ بِساقِكَ مُستبينٍ ... وأن شَوَاك لم يُشْبِهْ شَوَاها )
( وأنَّكَ عاطلٌ عارٍ وليستْ ... بعاريةٍ ولا عُطُلٍ يَدَاها )
( وأنّكَ غيرُ أفْرَع وهي تُدْلِي ... على المَتْنَيْنِ أَسْحَمَ قد كَسَاها )

( ولو قَعَدتْ ولم تكْلَفْ بوُدٍّ ... سوَى ما قد كَلِفتُ به كفَاهَا )
( أظَلُّ إذا أُكَلِّمُها كأنِّي ... أُكَلِّم حيّةً غَلَبَتْ رُقَاها )
( تَبِيتُ إليَّ بعد النوم تَسْرِي ... وقد أمسيت لا أخشَى سُراهَا )
الغناء في البيتين الأولين من هذه الأبيات لأبي فارة ثقيل أول وفيهما لعبد الله بن العباس الربيعي خفيف ثقيل جميعا عن الهشامي وذكر إسحاق أن هذا الصوت مما ينسب إلى معبد وهو يشبه غناءه إلا أنه لم يروه عن ثبت ولم يذكر طريقته قال وقال فيها أشعاراً كثيرة فبلغ ذلك فتيان بني تيم أبلغهم إياه فتى منهم وقال لهم يا بني تيم من مرة هالله ليقذفن بنو مخزوم بناتنا بالعظائم وتغفلون فمشى ولد أبي بكر وولد طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبي ربيعة فأعلموه بذلك وأخبروه بما بلغهم فقال لهم والله لا أذكرها في شعر أبدا ثم قال بعد ذلك فيها وكنى عن اسمها قصيدته التي أولها

صوت

( يا أمّ طَلْحَة إنّ البَيْنَ قد أَفِدَا ... قَلَّ الثَّواءُ لَئِن كان الرحيلُ غَدَا )
( أمسَى العِراقيّ لا يَدْرِي إذا بَرَزتْ ... مَنْ ذا تَطَوّفَ بالأركان أو سَجَدا )
الغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر عن عمرو ويونس قال ولم يزل عمر ينسب بعائشة أيام الحج ويطوف حولها ويتعرض لها وهي تكره أن يرى وجهها حتى وافقها وهي ترمي الجمار سافرة فنظر إليها فقالت أما والله لقد كنت لهذا منك كارهة يا فاسق فقال

صوت

( إنِّي وأوّلَ ما كَلِفْتُ بذِكْرها ... عَجَبٌ وهل في الحبِّ من مُتَعَجَّبِ )
( نَعَتَ النساءُ فقلتُ لستُ بمُبْصِرٍ ... شَبَهاً لها أبداً ولا بمُقَرِّبِ )
( فمكَثْنَ حِيناً ثم قُلْنَ تَوجَّهَتْ ... للحَجِّ موعِدُها لِقَاءُ الأَخْشَبِ )
( أقبلتُ أنظرُ ما زَعَمْنَ وقُلْنَ لي ... والقلبُ بين مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبِ )
( فلَقِيتُها تَمْشِي تَهَادَى مَوْهِناً ... ترمِي الجِمَار عَشيَّةً في مَوْكِبِ )
( غَرَّاءَ يُعْشِي الناظرين بياضُها ... حَوْرَاءَ في غُلَوَاءِ عيشٍ مُعْجِبِ )
( إنّ الَّتي مِنْ أرضِها وسمائها ... جُلِبَتْ لحَيْنِك ليتَها لم تُجْلَبِ )
الغناء لمعبد في الأول والثاني والرابع والسابع ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وفيها للغريض خفيف ثقيل عن الهشامي يبدأ فيه بالثالث
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق قال أخبرني مصعب الزبيري أن عمر بن أبي ربيعة لقي عائشة بنت طلحة بمكة وهي تسير على بغلة لها فقال لها قفي حتى أسمعك ما قلت فيك قالت أوقد قلت يا فاسق قال نعم فوقفت فأنشدها
صوت
( يا ربَّةَ البغلة الشَّهْباءِ هل لكِ في ... أن تُنْشِري مَيِّتاً لا تُرْهِقي حَرَجَا )
ويروى

( هل لكُمُ ... في عاشقٍ دَنِفٍ )
( قالتْ بدائك مُتْ أو عِشْ تُعَالِجُه ... فما نَرَى لكَ فيما عندنا فَرَجا )
( قد كنتَ حمَّلتَنا غيظاً نُعالِجُه ... فإن تُقِدْنا فقد عَنَّيْتَنا حِجَجَا )
( حتَّى لَو أستطيعُ مما قد فعلتَ بنا ... أكلتُ لحمَكَ من غيظٍ وما نَضِجَا )
الغناء لابن سريج ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن سريج ثلاثة ألحان ذكرها إسحاق ولم يجنس منها إلا واحدا وذكر الهشامي أن أحدها خفيف رمل بالوسطى وذكر عمرو أن الثالث هزج بالوسطى ولإسحاق فيها هزج من مجموع صنعته فقالت لا ورب هذه البنية ما عنيتنا طرفة عين قط ثم قالت لبغلتها عدس وسارت وتمام هذه الأبيات
( فقلتُ لا والذي حَجَّ الحَجِيجُ له ... ما مَحَّ حُبَّكِ من قلبي ولا نَهِجَا )
( ولا رأى القلبُ من شيءٍ يُسَرُّ به ... مُذْ بَانَ منزلُكم منَّا ولا ثَلِجا )
( ضَنَّتْ بنائلها عنه فقد ترَكتْ ... في غير ذنبٍ أبا الخَطَّاب مُخْتَلجَا )
قال فلم تزل عائشة تداريه وترفق به خوفا من أن يتعرض لها حتى قضت حجها وانصرفت إلى المدينة فقال في ذلك
( إنّ من تَهْوَى مع الفجر ظَعَنْ ... لِلْهَوى والقلبُ مِتْبَاعُ الوَطَنْ )
( بانتِ الشمسُ وكانت كلَّما ... ذُكرتْ للقلبِ عاودتُ الدَّدَنْ )

صوت

( يا أبا الحارثِ قلبي طائرٌ ... فأتَمِرْ أمرَ رشيدٍ مُؤْتَمَنْ )
( نَظَرَتْ عَيني إليها نظرةً ... تَركتْ قلبي لَديْها مُرتَهَنْ )
( ليس حبٌّ فوقَ ما أَحببتُها ... غيرَ أنْ أقتُلَ نفسي أو أُجَنّ )
فيها ثاني ثقيل بالوسطى نسبه عمرو بن بانة إلى ابن سريج ونسبه ابن المكي إلى الغريض وفيها رمل لأهل مكة
ومما يغنى فيه من أشعاره في عائشة بنت طلحة قوله في قصيدته التي أولها
صوت
( مَنْ لقلبٍ أَمْسَى رهيناً مُعَنَّى ... مُستكيناً قد شَفَّه ما أَجَنَّا )
( إثْرَ شخصٍ نفسي فَدَتْ ذاك شخصاً ... نازحِ الدَّارِ بالمدينة عنّا )
( ليتَ حَظِّي كطَرْفةِ العينِ منها ... وكثيرٌ منها القليلُ المُهَّنا )
الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق
أخبرني الحسن بن علي الخفاف ومحمد بن خلف قالا حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي عن هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد المخزومي قال
كان عمر بن أبي ربيعة يهوى كلثم بنت سعد المخزومية فأرسل إليها رسولا فضربتها وحلقتها وأحلفتها ألا تعاود ثم أعادها ثانية ففعلت بها مثل ذلك فتحاماها رسله فابتاع أمة سوداء لطيفة رقيقة وأتى بها إلى منزله فأحسن إليها وكساها وآنسها وعرفها خبره وقال لها إن أوصلت لي رقعة إلى كثلم فقرأتها فأنت حرة ولك

معيشتك ما بقيت فقالت اكتب لي مكاتبة واكتب حاجتك في آخرها ففعل ذلك فأخذتها ومضت بها إلى باب كلثم فاستأذنت فخرجت إليها أمة لها فسألتها عن أمرها فقالت مكاتبة لبعض أهل مولاتك جئت أستعينها في مكاتبتي وحادثتها وناشدتها حتى ملأت قلبها فدخلت إلى كلثم وقالت إن بالباب مكاتبة لم أر قط أجمل منها ولا أكمل ولا آدب فقالت ائذني لها فدخلت فقالت من كاتبك قالت عمر بن أبي ربيعة الفاسق فاقرئي مكاتبتي فمدت يدها لتأخذها فقالت لها لي عليك عهد الله أن تقرئيها فإن كان منك إلى شيء مما أحبه وإلا لم يلحقني منك مكروه فعاهدتها وفطنت وأعطتها الكتاب فإذا أوله
( من عاشقٍ صَبٍّ يُسِرُّ الهوى ... قد شَفَّه الوجدُ إلى كَلْثَمِ )
( رأتكِ عَيْنِي فدعاني الهوى ... إليكِ للحَيْن ولم أعْلَمِ )
( قَتَلِتَنا يا حبَّذا أنتُم ... في غيرِ ما جُرْمٍ ولا مَأْثَمِ )
( واللهُ قد أنْزَلَ في وَحْيِه ... مُبَيناً في آيِهِ المُحْكَمِ )
( مَنْ يَقْتُلِ النفسَ كذا ظالماً ... ولم يُقِدْها نفسَه يَظْلمِ )
( وأنتِ ثأْرِي فَتَلافَي دَمِي ... ثم اجعلِيه نعمةً تُنْعِمِي )
( وحَكِّمي عَدْلاً يكُنْ بينَنا ... أو أنتِ فيما بينَنا فاحْكُمِي )
( وجالِسينِي مَجْلِساً واحداً ... من غيرِ ما عارٍ ولا محْرَم )
( وخبِّريني ما الذي عندكم ... باللهِ في قتلٍ امرئٍ مُسْلِمِ )

قال فلما قرأت الشعر قالت لها إنه خداع ملق وليس لما شكاه أصل قالت يا مولاتي فما عليك من امتحانه قالت قد أذنت له وما زال حتى ظفر ببغيته فقولي له إذا كان المساء فليجلس في موضع كذا وكذا حتى يأتيه رسولي فانصرفت الجارية فأخبرته فتأهب لها فلما جاءه رسولها مضى معه حتى دخل إليها وقد تهيأت أجمل هيئة وزينت نفسها ومجلسها وجلست له من وراء ستر فسلم وجلس فتركته حتى سكن ثم قالت له أخبرني عنك يا فاسق ألست القائل
( هلاَّ اسْتَحيْتِ فتَرْحَمِي صَبَّا ... صَدْيَانَ لم تَدَعي له قَلْبَا )
( جَشِمَ الزيارةَ في مودّتكم ... وأراد ألاّ تُرْهِقِي ذَنْبَا )
( ورَجَا مُصَالَحَةً فكان لكم ... سَلْماً وكنتِ تَرَيْنَه حَرْبَا )
( يا أيها المُعْطِي مودّتَه ... مَنْ لا يَرَاك مُسامِياً خِطْبَا )
( لا تَجْعَلَنْ أحداً عليك إذا ... أحببتَه وهَوِيتَه رَبَّا )
( وصِلِ الحبيبَ إذا شُغِفَتْ به ... واطوِ الزيارةَ دونَه غِبَّا )
( فلَذَاكَ أحسنُ من مُوَاظَبةٍ ... ليستْ تَزِيدُكَ عنده قُرْبَا )
( لا بل يَملُّكَ عند دَعْوته ... فيقولُ هَاهِ وطَالمَا لبَّى )
فقال لها جعلت فداك إن القلب إذا هوي نطق اللسان بما يهوى فمكث عندها شهرا لا يدري أهله أين هو ثم استأذنها في الخروج فقالت له بعد أن فضحتني لا والله لا تخرج إلا بعد أن تتزوجني ففعل وتزوجها فولدت منه ابنين أحدهما جوان وماتت عنده

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الجبار بن سعيد قال حدثني إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبد الله عن أبيه عن جده
أن عمر رأى لبابة بنت عبد الله بن العباس امرأة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان تطوف بالبيت فرأى أحسن خلق الله فكاد عقله يذهب فسأل عنها فأخبر بنسبها فنسب بها وقال فيها
صوت
( وَدِّعْ لُبَابَةَ قبلَ أن تَتَرحَّلا ... واسْأَلْ فإنَّ قُلالَه أن تَسْأَلاَ )
( إلبَثْ بعَمْرِك ساعةً وتأنَّها ... فلعلَّ ما بَخِلَتْ به أن يُبْذَلاَ )
( قال ائتَمِرْ ما شئتَ غيرَ مُخَالفٍ ... فيما هَوِيتَ فإنّنا لن نَعْجَلاَ )
( لَسْنَا نُبالِي حين تَقْضي حاجةً ... ما باتَ أو ظَلَّ المَطِيّ مُعَقَّلا )
( حتى إذا ما اللَّيلُ جَنَّ ظَلاَمُه ... ورقَبْتُ غفلةَ كاشحِ أن يَمحُلاَ )
( خرجتْ تأطَّرُ في الثياب كأنّها ... أَيْمٌ يَسيبُ على كثِيبٍ أهْيَلا )
( رحَّبْتُ حينَ رأيتُها فتَبسَّمَتْ ... لتحيَّتِي لمّا رأتْني مُقْبِلاَ )
( وجَلاَ القِنَاعُ سَحَابةً مشهورةً ... غَرَّاءَ تُعْشِي الطَّرْفَ أَن يتأمّلاَ )
( فَلبِثْتُ أرْقيها بما لو عاقِلٌ ... يُرْقَى به ما اسْطاعَ ألاّ يَنْزِلاَ )

غنى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق ابتداؤه نشيد وفيها لابن سريج ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق أيضا وفيها لابن سريج في الأول والرابع من الأبيات رمل عن ابن المكي ولابي دلف القاسم بن عيسى في هذين البيتين خفيف ثقيل بالسبابة والبنصر وابتداؤه نشيد من رواية ابن المكي وفيه لمحمد بن الحسن بن مصعب هزج
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال لما حج الغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل إليه معبد فغناه
( وَدِّعْ لبابةَ قبل أن تترحَّلا ... )
فلم يزل يردده عليه ثم أخرجه معه لما رحل عن المدينة فغناه في المنزل به حتى أراد الرحيل فحمله على بغلة له وذهب غلام له يتبعه فقال إلى أين فقال أمضي معه حتى أجيء بالبغلة فقال هيهات ارجع يا بني ذهبت والله لبابة ببغلة مولاك وقد روي هذا الخبر لغير الغمر بن يزيد

نسب الثريا بنت علي

وهذه الأبيات التي فيها الغناء المختار وهو
( تشكَّى الكُميَتُ الجَرْيَ لمّا جَهَدْتُه ... )
يقولها عمر بن أبي ربيعة في الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية

الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف وهم الذين يقال لهم العبلات سموا بذلك لجدة لهم يقال لها عبلة بنت عبيد بن خالد بن خازل بن قيس بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم وهي من بطن من تميم يقال لهم البراجم غير براجم بني أسد
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال
كانت عبلة بنت عبيد بن خالد بن خازل بن قيس بن حنظلة عند رجل من بني جُشَم بن معاوية فبعثها بأنحاء سمن تبيعها له بعكاظ فباعت السمن وراحلتين كان عليهما وشربت بثمنها الخمر فلما نفد ثمنها رهنت ابن أخيه وهربت فطلقها وقالت في شربها الخمر
( شَرِبتُ براحلَتَيْ مِحْجَنٍ ... فيَا وَيْلتِي مِحْجَنٌ قاتِلي )
( وبابنِ أخيه على لذّةٍ ... ولم أحْتَفِلْ عَذَلَ العاذِلِ )
قال فتزوجها عبد شمس بن عبد مناف فولدت له أمية الأصغر وعبد أمية ونوفلا وهم العبلات
وقد ذكر الزبير بن بكار عن عمه أن الثريا بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر وأنها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبي جراب العبلي الذي قتله داود بن علي وهو الذي يقول فيه ابن زياد المكي
( ثلاثُ حوائجٍ ولهُنَّ جِئنا ... فقُمْ فيهنَّ يابن أبي جِرابِ )
( فإنّكَ ماجدٌ في بيت مجدٍ ... بقِيّةُ مَعْشَرٍ تحتَ التراب )

قال وله يقول ابن زياد المكي أيضا
( إذا مُتَّ لم تُوصَلْ بعُرْفٍ قرابةٌ ... ولم يَبْقَ في الدنيا رجاءٌ لسَائِل )
قال الزبير وهذا أشبه من أن تكون بنت عبد الله بن الحارث وعبد الله إنما أدرك سلطان معاوية وهو شيخ كبير وورث بقُعْدُدِه في النسب دار عبد شمس ابن عبد مناف وحج معاوية في خلافته فجعل ينظر إلى الدار فخرج إليه عبد الله بن الحارث بمحجن ليضربه به وقال لا أشبع الله بطنك أما تكفيك الخلافة حتى تطلب هذه الدار فخرج معاوية يضحك
قال مؤلف هذا الكتاب وهذا غلط من الزبير عندي والثريا أن تكون بنت عبد الله بن الحارث أشبه من أن تكون أخت الذي قتله داود بن علي لأنها ربت الغريض المغني وعلمته النوح بالمراثي على من قتله يزيد بن معاوية من أهلها يوم الحرة وإذا كانت قد ربت الغريض حتى كبر وتعلم النوح على قتلى الحرة وهو رجل وهي وقعة كانت بعقب موت معاوية فقد كانت في حياة معاوية امرأة كبيرة وبين ذلك وبين من قتله داود بن علي من بني أمية نحو ثمانين سنة وقد شبب بها عمر بن أبي ربيعة في حياة معاوية وأنشد عبد الله بن عباس شعره فيها فكيف تكون أخت الذي قتله داود بن علي وقد أدركت عبد الله بن عباس وهي امرأة كبيرة وقد اعترف الزبير أيضا في خبره بأن عبد الله بن الحارث أدرك خلافة معاوية وهو شيخ كبير فقول من قال إنها بنته أصوب من قول من قرنها بمن قتله داود بن علي وهذا القول الذي قلته قول ابن الكلبي وأبي اليقظان

أخبرني به الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائني عن أبي اليقظان قال وحدثني به جماعة من أهل العلم بنسب قريش

الثريا تختبر عمر في مدى حبه إياها

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مسلمة ابن إبراهيم بن هشام المخزومي عن أيوب بن مسلمة أنه أخبره أن عمر بن أبي ربيعة كان مُسْهَباً بالثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر وكانت عرضة ذلك جمالا وتماما وكانت تصيف بالطائف وكان عمر يغدو عليها كل غداة إذا كانت بالطائف على فرسه فيسأل الركبان الذين يحملون الفاكهة من الطائف عن الأخبار قبلهم فلقي يوما بعضهم فسأله عن أخبارهم فقال ما استطرفنا خبرا إلا أنني سمعت عند رحيلنا صوتا وصياحا عاليا على امرأة من قريش اسمها اسم نجم في السماء وقد سقط عني اسمه فقال عمر الثريا قال نعم وقد كان بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلة فوجه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ملء فروجه وسلك طريق كداء وهي أخشن الطرق وأقربها حتى انتهى إلى الثريا وقد توقعته وهي تتشوف له وتشرف فوجدها سليمة عميمة ومعها أختاها رُضَيّا وأم عثمان فأخبرها الخبر فضحكت وقالت أنا والله أمرتهم لأختبر مالي عندك فقال عمر في ذلك هذا الشعر
( تَشَكَّى الكُمَيْتُ الجَرْيَ لمّا جَهَدْتُه ... وبيَّن لو يَسْطِيعُ أن يَتَكَلَّما )
( فقلتُ له إنْ ألْقَ للعَيْن قُرَّةً ... فَهَانَ عليّ أن تَكِلَّ وَتَسْأَمَا )

( لذلك أُدْني دونَ خَيْلي رِبَاطَه ... وأوصِي به ألاّ يُهَانَ ويُكْرمَا )
( عَدِمْتُ إذاً وَفْرِي وفارقتُ مُهْجَتِي ... لئن لم أَقِلْ قَرْناً إن اللهُ سلَّما )
قال مسلمة بن إبراهيم قلت لأيوب بن مسلمة أكانت الثريا كما يصف عمر بن أبي ربيعة فقال وفوق الصفة كانت والله كما قال عبد الله بن قيس
( حَبَّذَا الحجُّ والثُّريَّا ومَنْ بالخَيْفِ ... من أجلِها ومُلْقَى الرِّحَالِ )
( يا سليمانُ إن تُلاَقِ الثريّا ... تَلْقَ عَيْشَ الخُلُودِ قبلَ الهِلالِ )
( دُرَّةٌ من عَقَائِل البحر بِكْرٌ ... لم تشِنْها مَثَاقِبُ الّلآلِ )
( تَعْقِد المِئْزَرَ السُّخَامَ من الخَزِّ ... على حَقْوِ بَادنٍ مِكْسَالِ )

شعر عمر في رملة الخزاعية

قال إسحاق في خبره عمن أسند إليه أخبار عمر بن أبي ربيعة وذكر مثله الزبير بن بكار فيما حدثنا به عنه الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني مؤمن بن عمر ابن أفلح مولى فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم قال حدثني بلال مولى ابن أبي عتيق
أن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قدم للحج فأتاه ابن أبي عتيق

فسلم عليه وأنا معه فلما قضى سلامه ومساءلته عن حجه وسفره قال له كيف تركت أبا الخطاب عمر بن أبي ربيعة قال تركته في بُلَهْنِيَةٍ من العيش قال وأنى ذلك قال حجت رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية فقال فيها

صوت

( أصْبَحَ القلبُ في الحِبالِ رَهِينَا ... مُقْصَداً يومَ فارَقَ الظَّاعنِينَا )
( قلتُ مَنْ أنتُمُ فصَدَّتْ وقالتْ ... أَمُبِدٌّ سؤالَك العَالَمِينَا )
( نحن من ساكني العِرَاق وكُنَّا ... قبلَه قاطنين مكةَ حِيِنَا )
( قد صَدَقْنَاكَ إذ سألتَ فمن أنتَ ... عسى أن يَجُرّ شأنٌ شُؤونا )
( ونَرَى أننا عَرَفْنَاك بالنَّعْتِ ... بظَنٍّ وما قَتَلْنَا يَقينَا )
( بسَوَادِ الثَّنيَّتينِ ونَعْتٍ ... قد نَرَاه لناظرٍ مُسْتَبِينَا )

هجران الثريا عمر بعد أن بلغها شعره في رملة

غنى معبد في البيتين الأولين خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق وغنى في الثاني وما بعده ابن سريج خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عنه أيضا وذكر حبش أن فيه للغريض أيضا لحنا من الثقيل الأول بالبنصر قال فبلغ ذلك الثريا بلغتها إياه أم نوفل وكانت غضبى عليه وقد كان انتشر خبره عن الثريا حتى بلغها من جهة أم نوفل وأنشدتها قوله
( أصْبَح القلبُ في الحِبال رَهِينَا ... مُقْصداً يومَ فارَق الظاعنينَا )

فقالت إنه لوقاح صنع بلسانه ولئن سلمت له لأردن من شأوه ولأثنين من عنانه ولأعرفنه نفسه فلما بلغت إلى قوله
( قُلتُ من أنتُمُ فصدَّتْ وقالتْ ... أمُبِدٌّ سُؤالك العالِمَينا )
فقالت إنه لسأل ملح قبحا له ولقد أجابته إن وفت فلما بلغت إلى قوله
( نحن من ساكني العراقِ وكنّا ... قلبَه قاطنين مكةَ حِيِنا )
قالت غمزته الجهمة فلما بلغت إلى قوله
( قد صَدقْناك إذ سألتَ فمن أنتَ ... عسى أن يَجُرَّ شأنٌ شُؤونا )
قالت رمته الورهاء بآخر ما عندها في مقام واحد وهجرت عمر
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب أن رملة بنت عبد الله بن خلف حجت فتعرض لها عمر بن أبي ربيعة فقال فيها
( أصبح القلب في الحبال رهينا ... مُقصَداً يوم فارق الظاعنينا )
وقال في هذه القصيدة
( فرأتْ حِرْصِيَ الفتاةُ فقالتْ ... خَبِّريهِ من أجْلِ من تَكْتُمِينا )
( نحن من ساكني العراق وكنّا ... قلبه قاطنين مكة حينا )

( قد صدقناك إذ سألت فمن أنت ... عسى أن يجرّ شأن شؤونا )
قال الزبير ورملة هذه أم طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي وهي أخت طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف الخزاعي

كثير يغضب إثر سماعه شعر عمر في رملة

قال فبلغت هذه الأبيات كثيرا فغضب لذلك وقال وأنا والله لا أتمارى أن سيجر شأن شؤونا ثم ذكر نسوة من قريش فساقهن في شعره من الحج حتى بلغ بهن إلى ملل ثم أشفق فجاز ولم يزد على ذلك وهو قوله في قصيدته التي أولها
( ما عَنَاكَ الغَداةَ من أَطْلالِ ... دَارِسَاتِ المُقَامِ مُذْ أَحْوالِ )

صوت

( قُمْ تأمَّلْ فأنتَ أَبْصَرُ منِّي ... هل تَرَى بالغَمِيمِ من أَجْمَالِ )
( قاضياتٍ لُبَانةً من مُنَاخٍ ... وطَوَافٍ ومَوْقِفٍ بالجِبَالِ )
( قِلْنَ عُسْفَانَ ثمّ رُحْنَ سِراعاً ... هابطاتٍ عَشِيَّةً من غَزَالِ )
( وارداتِ الكَدِيد مُجْترعاتٍ ... جُزْنَ وَادي الحَجُونِ بالأَثْقَالِ )
( قَصْدَ لِفْتٍ وهُنّ مُتَّسِقَاتٌ ... كالعَدْوَلِيّ لاحِقَاتِ التَّوَالِي )

( طالعاتِ الغمِيس من عَبُّودٍ ... سالكاتِ الخَوِيِّ من أمْلالِ )
( فَسقَى اللهُ منْتَوى أُمِّ عمروٍ ... حيث أَمَّتْ بها صُدورُ الرِّحالِ )
( حَبَّذَا هُنّ مِنْ لُبَانَةِ قَلِبي ... وجَدِيدُ الشَّباب من سِرْبالِي )
( رُبَّ يومٍ أتيتهُنّ جميعاً ... عند بَيْضاءَ رَخْصَةٍ مِكْسَالِ )
( غيرَ أنِّي امرؤٌ تَعَمَّمْتُ حِلْماً ... يَكْرَه الجهلَ والصِّبَا أمثالي )
غنى ابن سريج في الثلاثة الأبيات الأول خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو ويونس وذكر الهشامي أن فيها للحجبي رملاً بالبنصر
قالوا فلما هجرت الثريا عمر قال في ذلك
( مَنْ رَسُولِي إلى الثُّريَّا فإنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعاً بهَجْرِها والكتابِ )

ابن أبي عتيق يسعى للصلح بين عمر والثريا

فبلغ ابن أبي عتيق قوله فمضى حتى أصلح بينهما وهذه الأبيات تذكر مع ما فيها من الغناء ومع خبر إصلاح ابن أبي عتيق بينهما بعد انقضاء خبر رملة التي ذكرها عمر في شعره
قال مصعب بن عبد الله في خبره وكانت رملة جهمة الوجه عظيمة الأنف حسنة الجسم وتزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر وتزوج عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وجمع بينهما فقال يوما لعائشة فعلت في محاربة الخوارج

مع أبي فُدَيْكٍ كذا وصنعت كذا يذكر له شجاعته وإقدامه فقالت له عائشة أنا أعلم أنك أشجع الناس وأعرف لك يوما هو أعظم من هذا اليوم الذي ذكرته قال وما هو قالت يوم اجتليت رملة وأقدمت على وجهها وأنفها
قال مصعب وحدثني يعقوب بن إسحاق قال لما بلغ الثريا قول عمر بن أبي ربيعة في رملة
( وجَلاَ بُرْدُها وقد حَسَرتْه ... نُورَ بدرٍ يُضيء للناظرينَا )
قالت أف له ما أكذبه أو ترتفع حسناء بصفته لها بعد رملة

خبر عمر مع المرأة الجمحية

وذكر ابن أبي حسان عن الرياشي عن العباس بن بكار عن ابن دأب أن هذا الشعر قاله عمر في امرأة من بني جمح كان أبوها من أهل مكة فولدت له جارية لم يولد مثلها بالحجاز حسنا فقال أبوها كأني بها وقد كبرت فشبب بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوه باسمها كما فعل بنساء قريش والله لا أقمت بمكة فباع ضيعة له بالطائف ومكة ورحل بابنته إلى البصرة فأقام بها وابتاع هناك ضيعة ونشأت ابنته من أجمل نساء زمانها ومات أبوها فلم تر أحدا من بني جمح حضر جنازته ولا وجدت لها مُسْعِداً ولا عليها داخلا فقالت لداية لها سوداء من نحن ومن أي البلاد نحن فخبرتها فقالت لا جرم والله لا أقمت في هذا

البلد الذي أنا فيه غريبة فباعت الضيعة والدار وخرجت في أيام الحج وكان عمر يقدم فيعتمر في ذي القعدة ويحل ويلبس تلك الحلل والوشي ويركب النّجَائِبَ المخضوبة بالحناء عليها القُطُوع والديباج ويسبل لمته ويلقى العراقيات فيما بينه وبين ذات عرق محرمات ويتلقى المدنيات إلى مر ويتلقى الشاميات إلى الكديد فخرج يوما للعراقيات فإذا قبة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر تعادلها جارية سوداء كالسُّبْجة فقال للسوداء من أنت ومن أين أنت يا خالة فقالت لقد أطال الله تعبك إن كنت تسأل هذا العالم من هم ومن أين هم قال فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن قالت نحن من أهل العراق فأما الأصل والمنشأ فمكة وقد رجعنا إلى الأصل ورحلنا إلى بلدنا فضحك فلما نظرت إلى سواد ثنيتيه قالت قد عرفناك قال ومن أنا قالت عمر بن أبي ربيعة قال وبم عرفتني قالت بسواد ثنيتيك وبهيئتك التي ليست إلا لقريش فأنشأ يقول
( قلتُ من أنتم فصَدَّتْ وقالتْ ... أُمِبدٌّ سؤالك العالَمينا )
وذكر الأبيات فلم يزل عمر بها حتى تزوجها وولدت له
قال فلما صرمت الثريا عمر قال فيها

صوت

( مَنْ رَسُولي إلى الثريا فإِنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعاً بهَجْرِها والكتابِ )

( سلبتْني مَجَّاجَةُ المِسْكِ عَقْلِي ... فسَلُوها ماذا أحَلَّ اغتصابِي )
( وهي مَكنونَةٌ تحيَّر منها ... في أَدِيم الخَدَّينِ ماءُ الشبابِ )
( أَبْرَزُوها مثلَ المَهَاةِ تَهَادَى ... بين خَمْسٍ كَوَاعبٍ أَتْرابِ )
( ثم قالوا تُحِبُّها قلتُ بَهْراً ... عددَ القَطْر والحَصَى والترابِ )
الغناء لابن عائشة خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وذكر حبش أنه لمالك

نجاح الصلح الذي سعى به ابن أبي عتيق

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مؤمن بن عمر بن أفلح مولى فاطمة بنت الوليد قال أخبرني بلال مولى ابن أبي عتيق قال أنشد ابن أبي عتيق قول عمر
( مَنْ رسولي إلى الثريّا فإني ... ضقتُ ذَرْعاً بهجرها والكتابِ )
فقال ابن أبي عتيق إياي أراد وبي نوه لا جرم والله لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح بينهما ونهض ونهضت معه فجاء إلى قوم من بني الديل بن بكر لم تكن تفارقهم نجائب لهم فره يكرهونها فاكترى منهم راحلتين وأغلى لهم فقلت له استوضعهم أو دعني أماكسهم فقد اشتطوا عليك فقال ويحك أما علمت أن المكاس ليس من أخلاق الكرام ثم ركب إحداهما وركبت الأخرى فسار

سيرا شديدا فقلت أبق على نفسك فإن ما تريد ليس يفوتك فقال ويحك
( أُبَادِرُ حَبْلَ الوُدّ أن يَتَقَضَّبا ... )
وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا فقدمنا مكة ليلا غير محرمين فدق على عمر بابه فخرج إليه وسلم عليه ولم ينزل عن راحلته فقال له اركب أصلح بينك وبين الثريا فأنا رسولك الذي سألت عنه فركب معنا وقدمنا الطائف وقد كان عمر أرضى أم نوفل فكانت تطلب لها الحيل لإصلاحها فلا يمكنها فقال ابن أبي عتيق للثريا هذا عمر قد جشمني السفر من المدينة إليك فجئتك به معترفا لك بذنب لم يجنه معتذرا إليك من إساءته إليك فدعيني من التعداد والترداد فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله وكررنا إلى مكة فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل وزاد عمر في أبياته
( أَزْهَقَتْ أُمُّ نوفلٍ إذ دَعَتْها ... مُهْجَتِي ما لِقَاتِلي مِنْ مَتَابِ )
( حين قالتْ لها أَجيِبي فقالتْ ... مَنْ دعانِي قالت أبو الخَطَّابِ )
( فاستجابتْ عند الدعاء كما لبَّى ... رجالٌ يَرْجُون حسنَ الثوابِ )
قال الزبير وما دعتها أم نوفل إلا لابن أبي عتيق ولو دعتها لعمر ما أجابت قال وسألت عمي عن أم نوفل فقال هي أم ولد عبد الله بن الحارث أبي الثريا وسألته عن قوله
( كما لبَّى رجال يرجون حسنَ الثوابِ ... )
فقال كررت في التلبية كما يفعل المحرم فقالت لبيك لبيك

أقسام الكتاب

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45

كتاب : الآمل والمأمول--الجاحظ

كتاب : الآمل والمأمول--الجاحظ    المقدمة قال الباحث: من تركيب الإنسان استفراغ الحرص مدى لبه، واستيلاء الأماني على خواطره، فمقصر في الارتياد،...